تواصل معنا

"الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي".. المخطط الاستعماري الجديد (مقالة)

الوصف

تكتسب أهميةُ طرح أي فكرة أو مخطوطة أهميةً مضاعفة حين تُبقي على حضور ذهن القارئ وتستدعي تركيزه طوال فترة مطالعته، تشاركه في المعلومة والوقائع كما تشاركه في التساؤل والبحث والتقصّي. فالمخطوطات والكتب القيّمة هي تلك التي تترك القارئ متسائلاً وتُحفزّه على خوض معركة البحث عن الحقائق وتثبيت الوقائع ولا تكتفي بأن يكون متلقياً، تترك للقارىء حرية الحكم، وتكون محفّزاً لإعمال العقل لإيجاد أجوبة عن تساؤلات مشروعة.

مقالة

تكتسب أهميةُ طرح أي فكرة أو مخطوطة أهميةً مضاعفة حين تُبقي على حضور ذهن القارئ وتستدعي تركيزه طوال فترة مطالعته، تشاركه في المعلومة والوقائع كما تشاركه في التساؤل والبحث والتقصّي. فالمخطوطات والكتب القيّمة هي تلك التي تترك القارئ متسائلاً وتُحفزّه على خوض معركة البحث عن الحقائق وتثبيت الوقائع ولا تكتفي بأن يكون متلقياً، تترك للقارىء حرية الحكم، وتكون محفّزاً لإعمال العقل لإيجاد أجوبة عن تساؤلات مشروعة.

كتاب "الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي: المخطط الاستعماري للقرن الجديد"، للدكتورة هبة جمال الدين محمد العزب، ينضوي تحت خانة الكتب المُهمّة والقيّمة ومُحكمة البحث، ليس بقدر ما يحتويه من معلومات ومقاربات نظرية وعرض لوقائع وأحداث عملية فحسب، بل بقدر ما يُحرّك ذهن القارىء في خاصية البحث في الوقائع المقدّمة وتُحفّزه على التدقيق في المقاربات المطروحة.

"الدبلوماسية الروحية" و"النظام العالمي الجديد"

بعد البُعد لقرون من استخدام الدين كحاكم في العلاقات بين الدول، أصبحنا نشهد مدّاً جديداً كمحدّد للعلاقات والتوازنات والتفاعلات داخل السياسة الدولية. فمدرسة السياسة الواقعية، التي لطالما رفضت وجود أي دور للدين في العملية السياسية وحملت شعار فصل الدين عن الدولة، جاءت اليوم بمفهوم "الدبلوماسية الروحية". مفهوم يؤكّد أنّ الدين مصدر الصدام، قد تغيّر وتطوّر ليكون مدخلاً للحلّ والتسوية، وبدأ الحديث عن "السلام الديني العالمي" المقرّر الوصول إليه عبر مفهوم "الدبلوماسية الروحية" وما ستقدّمه من حلّ غير تقليدي للصراعات الدينية. فحلّ طرح "المشترك الإبراهيمي" أو "الديانات الابراهيمية"، يشير إلى الأديان السماوية الثلاثة، ضمن مفهوم جديد لحل النزاعات والصراعات الممتدة والقائمة على أبعاد دينية متشابكة، أي "الدبلوماسية الروحية"، لتمثّل خلاله الأديان الإبراهيمية أحد أبرز أركان هذا المفهوم الجديد. 

وفي عصر طفرة التسميات والمصطلحات، التي تُعدّ إحدى أخطر التحدّيات الفكرية والثقافية، كثُر استخدام مصطلحات مثل "المشترك الإبراهيمي"، و"الدبلوماسية الروحية"، و"السلام الديني العالمي"، خلال السنوات الأخيرة في خطاب الدبلوماسية العالمية وفي أدبيات بعض مراكز الدراسات والجامعات في الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل". قد تكون المصطلحات "برّاقة"، ظاهرها رحمة لكن مضمونها ظُلمة وتضليل، فهي تُستخدم لتوظّف الدين في خدمة السياسة الخارجية الأمير­كية والمشروع الصهيوني في المنطقة. 

خلال بحث جدّي ومُحكم تُطالعنا به، تتوصل الباحثة هبة جمال الدين محمد العزب في كتابها "الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي- المخطط الإستعماري للقرن الجديد"،  إلى خلاصة خطيرة مفادها أنّ "الإبراهيمية" المزعومة المُنادية بـ"التسامح"، تُمهّد لتغييب التناقض الوجودي بين المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني العنصري وبين الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني والعربي عموماً في المنطقة؛ ومصطلح "الدبلوماسية الروحية" إنّما يروّج لحقوق الإنسان و"السلام" ولمواجهة العنف والإرهاب ليسامح "إسرائيل" عن كل ما مارسته ولا تزال تمارسه من أحقاد ومجازر وانتهاكات لحقوق الإنسان.

للوهلة الاولى، قد يعتقد القارىء أنّه أمام عبارات مبتورة غير مكتملة المعنى أو صورة مهزوزة غير واضحة المعالم، بل وقد يرفض ربط  الأحداث المقدّمة معاً. لكنّ الكتاب، ولا شكّ يطرح العديد من التساؤلات المشروعة قد لا يُعطي إجابات شافية لها وقطعية أحياناً، وذلك ليس بالأمر السلبي أو لنقص في البحث، بل لضرورة أن يكون القارئ شريكاً في التقصّي وشريكاً في محاولات الوصول الى الفهم المتكامل. فالقضايا المطروحة تحتاج إلى إعمال الذهن والتدبّر لا إلى عملية إسقاط معلومات ولا عملية تلقين للقارئ، وهذه نقاط هي من أبرز مكامن أهميّة الكتاب وميزته بحقّ.

"المشترك الإبراهيمي" و"السلام الديني العالمي"

يأتي الحديث عن "المشترك الإبراهيمي"، وفق ما توصّلت إليه الباحثة، كأهم مرتكزات وركائز تعريف كمدخل فكري مهم، تدعمه الحكومات الأميركية المتعاقبة بحثياً منذ عام 1990 مع خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الأب عن "النظام العالمي الجديد" عقب انهيار الاتحاد السوفياتي والحرب الأميركية ضدّ العراق خلال حرب الخليج الثانية. ولكن على المستوى البحثي أخذ الأمر منحى جديداً مع الألفية الجديدة كبداية للتنفيذ والدعم توّجت بمأسسة داخل وزارة الخارجية الأميركية عام 2013. 

الصهيونية والمخطط الاستعماري المتمثّل بـ"إسرائيل" والمطامع الاستعمارية الأميركية الغربية، تحرّكها دوافع متطرّفة ترفعها الصهيونية المسيحية الداعمة لـ"إسرائيل" كإطار للقرن الجديد والنسق العالمي الجديد الذي أعلنه بوش الأب، حيث لا يمكن قراءة مفهوم الدبلوماسية الروحية بعيداً عن النظام العالمي الجديد. 

هنا، لا بُدّ  لنا من الإشارة إلى أنّ  مصطلح "المشترك الإبراهيمي" و"السلام الإبراهيمي" يعود استخدامه، لأول مرة، إلى دراسة نشرها الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، في عام 1985 في كتاب حمل عنوان "دم أبراهام"، بتأثير واضح لما يُعرف بالصهيونية المسيحية التي تُقارب التاريخ من زاوية الروايات اليهودية التلمودية. وأسهب كارتر في كتابه في مناقشة المشترك الإبراهيمي بين أبناء المنطقة كحلّ للوصول الى "السلام". 

أمّا اهتمام الولايات المتحدة بالدين، فيفسّر العديد من المؤرّخين والمحلّلين الأميركيين، أنّه نتيجة سيطرة الصهيونية المسيحية على الساسة في الولايات المتحدة التي تؤمن بفكرة العودة الأصولية المتجدّدة للجذور كأساس حركة التاريخ بالعالم. وتعتبر مهمة أعضاء هذه الحركة وأتباعها تدبير وتهيئة كل الأمور التي من الممكن أن تُعجّل عودة المسيح إلى الأرض، ومن السيطرة على العالم، ومن ثم تعتبر أن ما يتم داخل السياسة الدولية ما هو إلاّ تكليف إلهي. فأضحى الدين مدخلاً لتفسير الدور الأميركي في العالم، بوصفه محرّكاً ومبرراً ومفسراً. (نحيل القارئء الباحث عن المفهوم بشكل موسّع الى كتاب الصهيونية المسيحية للكاتب محمد السمّاك، دار النفائس، كما وننصح القارئ بمراجعة كتاب "لاهوت الغلبة"-التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأميركية"، محمود حيدر، دار الفارابي).

في السياق، يعتبر الباحث الأميركي جيمس روزينوه، أن مستقبل العالم سيرتكز على السلام العالمي الذي سيتحقق عبر الديانات الإبراهيمية والعقائد المتداخلة، كمدخل جديد لحل النزاعات في العلاقات الدولية، وكطرح بديل لنظرية "صامويل هنتنغتون" حول "صدام الحضارات"، ونظرية "فرانسيس فوكوياما" حول "نهاية التاريخ"؛ بل ليعكس نهجًا جديدًا داخل علم العلاقات الدولية كانت أهم ملامحه ظهور مفاهيم جديدة؛ كالتسامح العالمي، والأخوة الإنسانية، والحب، والوئام، كمفاهيم جديدة مطروحة داخل هذا الحقل.

ومن الجدير ذكره، أنّ  قضية "حوار الأديان" لعبت دوراً كبيراً في بلورة مفهوم الدبلوماسية الروحية، حيث حضرت القضية منذ مرحلة ما بعد الحرب الباردة كمصطلح يُشير إلى التفاعل البنّاء والإيجابي بين الناس، وتحويل حوار الأديان إلى خدمات تُقدّمها الأديان من شأنها بناء جسور تربط بين الشعوب، كمكافحة الملاريا وحملات الإغاثة، فلن يعود دور الأديان إدارة النزاع أو الصراع، وإنّما يغدو فاعلاً على الأرض لخلق سلام ديني عالمي، "الديانة الابراهيمية". 

وبعيداً عن نظريات المؤامرة، تبرز تساؤلات كثيرة تحتاج الى البحث والتقصّي حول ماهية النظام العالمي الجديد ومفهوم "المواطن العالمي" وعلاقة الأمر بالماسونية التي من أهدافها الوصول الى "المواطنة العالمية"، خاصة وأنّ وجود "الباسبور الماسوني" العالمي أصبح واقعاً.

فهدف "المشترك الإبراهيمي"، وفق ما توصّلت إليه الباحثة، يتمثّل في خلق ولاءات جديدة رفعت شعارات إزالة الحدود والولاءات، وترسيخ مفهوم المواطن العالمي على الأرض ليكون ولاءه غير مرتبط بالأرض وإنمّا تحت مدخل محبّب ومقبول للنفس، ألا وهو المشترك الروحي أي الإبراهيمي. أمّا قبول التشارك في الموارد (العرب والمسلمون) والتكنولوجيا (إسرائيل وتركيا) فسيؤدّي إلى إقامة "إتحاد فدرالي إبراهيمي "يتحكّم في الموارد بصورة مركزية للسلطة الفدرالية، التي تديريها "إسرائيل" أولاً ثم تركيا ثانياً. 

قد يقف القارىء للحظات خلال قراءة هذا الكتاب القيّم، أمام صورة مشوّشة غير واضحة المعالم في ظلّ مقاربة مخطّط خطير تتعرّض له منطقتنا، لكنّ الكتاب سيحاول تقديم حيّز مهم من المعطيات والحقائق من خلال عمل بحثي جدّي يستند في معطياته على وقائع ومستندات لإزالة اللبس والغموض ويحاول تقديم ربط لكل الأبعاد المذكورة، بل وتقديم مزيد من الأبعاد التي لم تذكر ولم تتعرّض لها، كمحاولة لترتيب الطرح وتأصيله. ومع ذلك، تحرص الكاتبة على تقديم وجهة نظر متوازنة.

ومن المحقّ القول بأن الكتاب يُمثّل بدايةً منهجيّة لطرق المفاهيم المطروحة، والأمر يتطلّب مزيداً من البحث وجرأة في الطرح والمقاربة الموضوعية، وبخاصة أنّ محاولات تنفيذ المفاهيم بدأت بالفعل على أرض الواقع. 

فالكتاب، الذي صدر في شباط / فبراير 2021 عن مركز دراسات الوحدة العربية، يتضمن أربعة فصول، فضلاً عن المقدمة والخاتمة والمراجع والفهرس، ويأتي ضمن 256 صفحة.

أولاً: مفهوم الدبلوماسية الروحية

تقدّم الدبلوماسية الروحية نفسها كمدخل لتحقيق التنمية المستدامة وسبق استخدامها أيضاً في مطلع الألفية كمدخل لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في الفترة 2000-2015، وذلك عبر الحوار الخدمي، القائم على مبادرات تنموية بين الأديان بهدف بناء مشترك واقعي يتجسّد في مشروعات تنموية تكافح الفقر وترفع معدلات التنمية وبخاصة في الدول النامية. إلاّ انّ تطويرها جاء بعد عام 2015، عقب انقضاء أجل الأهداف الإنمائية للألفية، ودخول العالم إلى حقبة تنموية جديدة وهي أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 تحت رعاية الأمم المتحدة.

في سبيل تطبيق المفهوم، يتمّ استحداث عدد من الأدوات العالمية التي توظّف على أرض الواقع، منها: المنظمة الأممية وفي مقدمتها منظمة اليونيسكو، المؤتمرات الدولية والقمم العالمية، القوى العظمى والمعسكر الغربي، السياحة الدينية المشتركة، مشروعات ريادة الأعمال، التواصل مع الشباب، التعاونيات النسائية.

أمّا مؤسسات "الدبلوماسية الروحية"، فتتنوّع بين برامج أو معاهد أكاديمية، مؤسسات مجتمع مدني، جمعيات دوائر طلابية لبناء الكوادر الجديدة، وجميعها تهتم بالتأصيل النظري للفكر الجديد عبر تأويل النصوص بالأديان الثلاثة. ومن أبرز تلك المؤسسات: المركز العالمي للدبلوماسية الروحية، منظمة الأديان من أجل السلام، مشروع الأرض الجديدة، رؤية ابراهيم، مركز العلاقات اليهودية- الاسلامية، اتحاد تراث ابراهيم، إعادة اتحاد عائلة ابراهيم..). 

أمّا تمويل هذه المؤسسات ومشاريعها في مختلف مناطق العالم، فيتمّ من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من خلال التمويل الحكومي والتبرعات الخاصة والمنح وتمويل الجامعات.

توصّلت الباحثة إلى تعريف إدراكي للدبلوماسية الروحية ويوضح أبعاد المفهوم وأدواته، فتقول:"الدبلوماسية الروحية هي مسار من مسارات التفاوض تستهدف حلّ النزاع أو منع حدوثه من أجل بناء سلام ديني عالمي، يتمّ عبر الجمع بين القادة الروحيين والساسة داخل آلية المسار الثاني للمفاوضات باستخدام المدخل النفسي لدحض الأصولية في الأديان الثلاثة، والتباحث حول القضايا الحسّاسة محلّ النزاع بهدف التوصّل إلى مشترك عبر تقارب الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية، اليهودية) أو ما يُسمّى الديانات الإبراهيمية أو الدين الإبراهيمي (الدين العالمي الواحد) للقضاء على الاختلافات والوصول إلى متّفق يقبله المجتمع، عبر ترجمته لخدمات ملموسة يشعر بها المواطن (الحوار الخدمي) ليكون ولاؤه للدين الإبراهيمي، ويتم نقله إلى الخريطة السياسية لأنّ هذا المسار سيكون مركز صنع القرار السياسي في العالم، بهدف خلق السلام الديني العالمي". 

وتتمثّل أبرز مقوّمات الدبلوماسية الروحية، بـ:

*محورية النبي إبراهيم:المشترك بين الأديان،

*الديانات الإبراهيمية: ستتحاور لتصل إلى وضع ميثاق تكون له القدسية الدينية كبديل من المقدسات السماوية ويُنحّي الخلاف والفواصل، 

*آلية دبلوماسية المفاوضات غير الرسمية: "دبلوماسية المسار الثاني" كساحة مهيئة لعمل وتعاون رجال الدين والساسة والدبلوماسيين ليعملوا معاً لحلّ الصراعات المتشابكة،

*أُسر السلام (جماعات قاعدية)، الحوار الخدمي، نشر الأفكار عبر تقديم خدمات تنموية.

*الكيانات العلمية الداعمة كالجامعات الدولية في مقدمتها جامعة هارفرد.

أمّا أولويات التدخّل لتحقيق السلام الديني العالمي، فسيتمّ تقسيم مناطق الصراع والنزاع في العالم وإعطاء الأولوية للمناطق التي توجد فيها الأديان الإبراهيمية. ويقوم طرح التصدّي للنزاعات العنيفة الممتدة القائمة على أسباب دينية متشابكة كقضية الصراع العربي- الاسرائيلي، كون المنطقة الجغرافية مكان النزاع هي محور العالم وكون السلام العالمي لن يتحقّق إلاّ بسلام تلك المنطقة. وعن آلية حلّ الصراع في الشرق الأوسط، سيتم عبر استغلال الإمكانات التي تتيحها الأديان لتكون مصدراً للتفاهم المشترك. 

ثانياً: القوى الفاعلة لتطبيق الدبلوماسية الروحية 

مع عملية رصد القوى الفاعلة المنوطة بالانتشار القاعدي للدبلوماسية الروحية والتمهيد للقبول بالمشترك الإبراهيمي، تبيّن أنّ حركة "الصوفية العالمية" إحدى أهم تلك القوى، الى جانب مراكز البحث الإبراهيمية. وتوضح الباحثة، أنّه وعلى الرغم من أنّ إرهاصات التيارات الصوفية تعود إلى عام 1910، فإنّ تطويعها سياسياً كحركة على الأرض جاء مع مطلع الألفية، عبر إنشائها أطراً مؤسسية لتطبيق ونشر أفكارها في العالم، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط، واستقطاب أتباع جدد وبدء الحوار مع القيادات الروحية الصوفية الإسلامية في الدول العربية خلال المؤتمرات الدولية والمحافل العالمية تحت إطار الأمم المتحدة. ومن هنا، نشير إلى أنّ الرابطة الدولية للصوفية كمنظمة غير حكومية، تشارك في الإجتماعات والقمم العالمية في مقرّ الأمم المتحدة في جلسات حوار مع قادة دينيين لآخرين، في شأن القضايا ذات الاهتمام العالمي كقضايا حقوق الإنسان والعدالة والتعليم وقضايا المرأة.

تُحذّر الباحثة من أنّ خطورة التيارات الصوفية ليس فقط في الأفكار التي يروّج لها، ولكن انتقالها من مستوى الفكر إلى الحركة، وانتشارها عبر المجتمعات المحلية، ناشرة مفهوم "دبلوماسية المواطن" والحديث عن "المواطن العالمي"، الذي لا يؤمن بالحدود، والحشد والتعبئة من أجل التغيّر السلمي للتشبيك مع المجتمع المحلي. وفي السياق، تعرض الباحثة، جدولاً مفصّلاً لأبرز الأنشطة والمؤتمرات على الساحة الدولية التي استطاعت الوقوف على مفهوم الدبلوماسية الروحية والمشترك الابراهيمي، مشيرة إلى الحاجة إلى مزيد من البحث والاستقصاء، خاصة أنّ الصوفية العالمية ترفع شعار الماسونية القديمة، حيث يزعم أن "جورج سوروس" أبرز القيادات الصهيونية اليهودية في العالم، يُعدّ من أبرز ممّولي "الصوفية العالمية".

ثالثاً: المشروعات والمبادرات المطروحة

يُمثّل مشروع"مسار إبراهيم"، ترجمة لمفهوم الدبلوماسية الروحية على الأرض، يُستثمر لبناء ذاكرة تاريخية جديدة تتكامل خلالها طرائق الحج المشتركة بشعار "معاً نصلّي"، يأخذ شكلاً  تجميعياً  للبشر عبر مسيرات السير المشترك، لا يرفع أي شعارات سياسية وإنّما دينية وثقافية وسياحية. والمقصود بـ"مسار إبراهيم"، هو الطريق الذي سلكه نبي الله إبراهيم وعائلته منذ 4000 عام مضت، الذي بدأ من حرّان-تركيا حيث كلّفها الرب بالخروج، وتنتقل للمرور بالعديد من المدن التي تتقاطع مع تسع دول غير تركيا وفقاً للمسيرة السماوية الثلاث وتنتهي بمدينة هبرون (الخليل الآن) حيث دُفن وفقاً لسفر التكوين. وتمرّ رحلة المسار بسوريا والعراق ومصر والأردن ولبنان والسعودية وفلسطين والأراضي المحتلة(التي يطلق عليها إسرائيل)، وإيران. 

المشروع طرحته جامعة "هارفرد" مطلع الألفية، والولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الاولى الراعية للمسار، وتتشارك مع فرنسا في مسار "فرسان المعبد" وتدعم تركيا في "المسار الصوفي"، وتدعمه في إطار مشروع كبير "على خطى إبراهيم الخليل" لتموّله وزارة الخارجية الأميركية وتُنفّذه جامعة "هارفرد".

وقع اختيار المسارات الثلاثة على الأراضي العربية ومنطقة الشرق الأوسط، وتتلاقى جميعاً في الهدف لتحقيق "السلام الديني العالمي" عبر بوتقة صهر تتواءم مع أنصار الأديان المختلفة الإسلامية كالمسار الصوفي التركي، والمسيحية كمسار" فرسان الهيكل". والمُلفت، أنّ المسار الأكبر، "مسار إبراهيم"، حدوده الجغرافية تتشابه مع الحدود الجغرافية لخريطة أرض "إسرائيل الكبرى". 

الكيان المؤسسي لـ"مبادرة مسار إبراهيم" عبارة عن منظمة غير سياسية وغير طائفية مفتوحة أمام الجميع، ترفع شعار "نحن نعيش ببساطة.. نزيل الغبار عن خطى قديمة" لتؤكّد أنّ هدفها بالأساس هو إحياء التاريخ المشترك وبناء الثقافة التاريخية المشتركة لأتباع الأديان الإبراهيمية". في عام 2006، نُظّمت زيارات لوفود من 10 دول حُرص خلالها على الترويج الإعلامي للزيارة. وفي الوقت عينه بدأت عملية التفاوض مع حكومات الدول لنشر المفهوم للحصول على الدعم السياسي للمسار. ومثّل عام 2007، بداية مأسسة المسار من طريق إنشاء مؤسسة "مبادرة طريق إبراهيم" كمبادرة أهلية تحت مظلّة جامعة هارفرد. 

يقع المقر الرئيسي للمؤسسة في بولدر، في ولاية كولورادو الاميركية، ويديرها "ويليم أوري"، وتتم الأنشطة من خلال جامعة هارفرد التي استطاعت بناء شبكة من الجميعات الشريكة تمّ قبول تعاونها وفقاً لميثاق عمل يُنظّم أسس التعاون، فلا تُقبل عضوية أي جمعية إلاّ قبل التأكّد من التزامها بفكر العمل المؤسسي للمبادرة. 

من أبرز أصدقاء "مسار إبراهيم"، في البرازيل مدينة ساوباولو منذ عام 2006. نظّمت مسيرة افتراضية للمسار في تموز/يوليو 2009 في وسط المدينة شارك فيها أكثر من 2000 عدّاء حولهم تعلو صور القدس ودمشق وبيروت وحلب والخليل، وتمّ تصويرها إعلامياً وبثّها بالقمر الصناعي. وكانت بمثابة أهم أنشطة تنمية الموارد للمبادرة والطريق تمّ خلالها تحصيل مبالغ كبيرة.

بلغ طول "مسار ابراهيم" على الأرض عام 2014 أكثر من 1500 كيلومتر. ومن المخطط أن يصل طول المسار الى 5000 كيلومتر ليكون قابلاً للسفر في جميع الدول التي مرّ بها النبي ابراهيم وفقاً للأديان الثلاثة بشكل متكامل من دون استبعاد أي رواية، وفقاً لإصدار 2016 من جانب المبادرة. أمّا الجهات المانحة للمسار، فهي تمثّل 18 دولة وكانت مؤسسة الوليد بن طلال للأعمال الانسانية من أوائل المانحين. 

*الدروب المُنفّذة على الأرض: درب سيناء، درب "إسرائيل"، درب/إبراهيم الخليل فلسطين، درب الأردن، درب لبنان (https://www.lebanontrail.org)، درب سوريا (جُمّد العمل به مع بدء "ثورات الربيع العربي")، درب السعودية.

مسارات مخطّط لها: 

*مسارات ابراهيم في الخليج وشبه الجزيرة العربية: (سوريا، العراق، مسارات في دول الخليج، اليمن).

*المسار الصوفي: يروّج كبوتقة تشمل الديانات الثلاث والملحدين أيضاَ. يتلاقى سير المسار مع الرؤية التركية لنطاق السيادة الذي تحلم به لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية، ويتقاطع مع المسارات الأخرى. ويمر مسار "فرسان الهيكل" أيضاً بالتوازي معه، لا سيما أنّه يعبر الأراضي التركية وصولاً الى القدس. 

*مسار "فرسان الهيكل": تمّ تدشينه بمبادرة أميركية- فرنسية عام 2006، يبدأ من فرنسا ويرفع شعار مسار الحج الديني المقدس من أجل السلام العالمي، يأخذ خمسة أشهر للوصول من فرنسا الى القدس سيراً على الأقدام أو عبر ركوب العجلات. يمرّ بإحدى عشرة دولة وقارتين، يبلغ طوله نحو 4220 كيلومتراً يشمل عدة طرق ونقاط عبور. (فرنسا، سويسرا، ألمانيا، النمسا، المجر، سلوفاكيا، صربيا، بلغاريا، تركيا، قبرص والكيان الإسرائيلي، إذ لا تعترف المبادرة بفلسطين وإنما بـ"إسرائيل" برغم أنّ المقدسات المسيحية هي في القدس الشرقية).

مبادرات مطروحة: الولايات المتحدة الإبراهيمية

تطرح جامعة فلوريدا الأميركية، مشروع "الولايات المتحدة الإبراهيمية" عبر مركزها البحثي (EMERGY) المعني بدراسة القضايا البيئية والمستقبلية ومستقبل الطاقة واستدامة الموارد الطبيعية المتاحة، حيث نوقش المقترح في المؤتمر السنوي للمركز عام 2015. 

لم يُقدّم المشروع بوصفه مبادرة سياسية، بل كرؤية استشرافية من أجل بقاء المنطقة المهدّدة بالجفاف وندرة الموارد خلال المستقبل القريب، مع الإشارة الى أنّ منطقة الشرق الأوسط هي منطقة شديدة الجفاف في العالم. وتُقدّم الرؤية نموذجاً لهيكل سياسي عملي، ورمزاً موحّداً يجمع كل الأطراف في الأرض بين نهري دجلة والفرات ونهر النيل، عبر إقامة اتحاد فدرالي يجمع 18 دولة عربية و"إسرائيل" وتركيا وإيران معاً. أي ما سيُعرف بإسم الولايات المتحدة الإبراهيمية، أو ببساطة "الأرض المقدسة". 

تقود عملية التكامل الفدرالي، "إسرائيل" ثم تركيا بحكم امتلاكهما للموارد والتكنولوجيا في ظل "جهل" عربي. أمّا التمويل لإقامة الدولة والربط الإقليمي سيكون من جانب دول الخليج بسبب "التهديد الايراني". 

وتعرض الباحثة بشكل مفصّل لمشروعات الربط الجغرافي القائمة الآن مع "إسرائيل". ويُلاحظ في المقترح غياب القضية الفلسطينية، وإدراجها ضمن الطرح الإقليمي الذي سيتمّ في إطار إزالة الحواجز وإعادة تقسيم الولايات والمحافظات والوحدات التابعة.

إرهاصات "الاتحاد" تعود الى تسعينيات القرن الماضي. ورغم عدم دقة المعلومات في هذا الشأن، استطاعت الباحثة الوقوف على صاحب الفكرة والمخطط المطروح من جانب مراكز الفكر الأميركية، ألا وهو الأصولي المصري "سيد نصير" المتهم بقتل الحاخام الإسرائيلي المتطرّف "مائير كاهانا"، زعيم حركة "كاخ" الصهيونية الأكثر تطرّفاً، والقابع في السجون الأميركية منذ عام 1990، حيث وضع فكرة تسييس استخدام النبي إبراهيم لحلّ الصراعات السياسية- أملاً منه في تقديم فكرة جديدة تشجّع الأميركيين للموافقة على الإفراج عنه بسبب عدم إدانته في جريمة القتل وفقاً للقضاء الأميركي مع مفارقة بقائه في السجن المشدّد- فقدّم الى "هيلاري كلنتون" خلال حكم الرئيس بيل كلنتون مشروعاً يحمل اسم "دولة إبراهيم الفدرالية"، كمشروع يهدف إلى خدمة الأمن القومي الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، بوصفه الحلّ الامثل لضمان "السلام". 

رابعاً: مفهوم الدبلوماسية الروحية واستشراف المستقبل

تناقش الباحثة قضايا ومحاور عدّة تتناول المخطّط المطروح في إطار النظام العالمي الجديد، وكيفية ترجمته إلى عدد من المفاهيم المتداخلة والمتشابكة، يأتي في إطارها تحديات خطيرة تتواطأ فيها دول ضد دول أخرى في المنطقة تُقدَّم في سياق مخطط إقامة الولايات المتحدة الإبراهيمية. مخطّط، خلصت الباحثة إلى أنّ إرهاصات الإعلان عنه سياسياً بدأت من خلال ملامح "صفقة القرن"، الأمر الذي يدعو إلى طرح عدد من التساؤلات التي تتطلّب وضع سياسات تصحيحية مهمة من أجل مواجهته.

وتحرص الباحثة على تقديم جملة أفكار وخطوات كسُبل مواجهة لما يُخطط لمنطقتنا مع التأكيد على أنّ البحث لا بُدّ وأنّ يُفعّل ويتحلّى الجميع بالمسؤولية والشجاعة لتخطّي المحظور والدفاع عن الحقوق والحفاظ عليها.

وفي الختام، تحذّر الباحثة من أنّ ما يُروّج له "هدفه ليس السلام العالمي، وإنما ضياع المنطقة والحق العربي للمسلمين والمسيحيين معاً، وأنه ينبغي ألاّ ننخدع خلف الشعارات الدينية الجذّابة والأخوة الإنسانية والتسامح المزيّف، مشدّدة على أنّ الوعي والمقاومة المجتمعية هو الأساس والتماسك واللحمة هي المدخل الرئيسي للتصدّي للأفكار الهدّامة".

*ياسمين قعيق باحثة لبنانية لها عدد من الكتب المتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي.

المرفقات

أضف تعليقا