تواصل معنا

مُنكرو السنةِ في مواجهةٍ مع القرآن الكريم..(دعوى الاكتفاء بالقرآن.. عرضٌ ومناقشة) (مقالة)

الوصف

مقالة

 

كان المسلمون على منهجٍ واحدٍ في مَصادر التشريع، آخذين بالكتاب والسنة اللّذين يمثِّلان قطبَ النظامِ المعرفي في الإسلام، وبقيت الأمَّة على ذلك حتى ظَهَرت حُفنَة من الأريكيين

 ممَّن قال فيهم النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفِيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبعناه»

، فأنكروا حجيَّة السنة بالكلية، ورفعوا شعار: “القرآن وكفى”، وليت أنهم فهِموا الشعارَ إذ رفعوه؛ إذ إنَّهم وقعوا في الانتقاء والفهم الملتوِي للنصوص، وسَدُّوا آذانَهم وأفهامهم عن أيّ فهم آخر ولو كان هو فهمَ الرسول الخاتم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصار النصُّ مرهونًا بفهوم الأريكيِّين، يفهمُه كلٌّ بحَسَب رأيِه وعقله أو هواه، فترى الواحدَ منهم يصلِّي في اليوم ثلاث صلوات، والآخر صلاةً واحدةً، والثالث لا يصلِّي بل يقول: “اخشع في يومك وكفاك”، وترى منهم من يصلّي بركوعٍ، ومنهم من يصلّي بدونه، إلى أنواعٍ أخرى من الاختلافات التي إن أَردنا حصرها مَا استطعنا؛ إذ إنَّ عقول الناس متفاوتة مختَلِفة، ومع مناداتهم إلى الأخذ بفَهمهم هم للقرآن فإنهم ضربوا عرض الحائط بفهمِ النبي صلى الله عليه وسلم وصحابتِه الكرام وسلف الأمّة؛ ليخرِجوا لنا هذا التَّصوّرَ المشوَّه للدّين وتشريعاته، وهذا في أهمِّ ركن بعد الشهادتين وأعظمه وهو الصلاة، فكيف القومُ فيما دون ذلك؟!

وإنكارُ السنة ليس وليدَ اليوم، فقد بدأ قديمًا على يد بعض الخوارج وغيرهم، إلا أنَّ الرايةَ العظمى له لم ترفع إلا قريبًا، فالسنة النبويةُ مُعترَك الخصوم في القرن الحالي وسابقه، وهو موضوع احترابٍ وجدلٍ ونقاشٍ في صفحات المنتديات وعلى قارعة مواقع التواصل، فاستفحل الأمر، وعظُم الخطب، وخرجت تلك الشبهات من بطون الكتب إلى صفحات الشبكة، ومن سجالات القلَّة إلى عقول الشباب في كلّ مكان.

والدفاعُ عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم واجب؛ إذ لا شريعةَ إلا باتِّباع سنته، فلا صلاةَ ولا زكاةَ ولا صيامَ ولا حجَّ كما أراده الله إلا باتِّباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مخلِّص لنا من دوامة الأفهام التي يريد الأريكيون أن يُدخلونا فيها إلا باتِّباع السنة، ليس هذا فحسب، بل إقصاء السنَّة عن أن يكون مَرجعًا للإسلام والمسلمين سبيلٌ لإقصاء كثيرٍ من الأحكام الشرعية والتملُّص منها وتركها، إذ إنَّ كثيرًا من السنن لم ترد في القرآن الكريم، بل الأسوأ من ذلك كله أنَّ شطب السنة يؤدِّي بلا مريةٍ إلى ضرب القرآن الكريم، إذ إنكار سبل نقل السنة هو إنكارٌ لسبل نقل القرآن، وادِّعاء وجود خَلل في عملية نقل السنة هو ذاتُ ادِّعاء وجود خلل في نقل القرآن الكريم كما تدَّعيه الملاحدة ويدَّعيه التاريخيون الذين يبذلون جهدَ قلوبهم وعقولهم وأقلامهم في إثبات أن القرآن الكريم نبْتُ الأرض، وليس ثمةَ صلةُ بينه وبين السماء، ولا بين فهم الرسول على الصلاة والسلام له وفهمنا، فمِنَ الوهم الظَّنّ بأنَّ الطعن في السنة يتماشى مع تعاليم القرآن، ويُبقِي للإسلام خصوصيته ومنزلته، ومنَ الوهن الانصرافُ عن ثغر الأريكيين إلى غيرهم ظنًّا منا أنها معركة مع فصيل صغير وينتهي، دون وعي وإدراك بأن هذا الثغر وراءه ما وراءه، وأنه هو بوابة كلِّ الطاعنين في الإسلام، وكوَّة كل المهوِّنين من شرائع الإسلام أو المسقطين لها.

لا أريد في هذه الورقة إطالةَ الكلام في السنة وحجِّيَّتها فلذلك مقامات أخر، وإنما المرادُ الوقوفُ على أصلٍ واحد من أصولهم التي يدَّعون من خلالها عدمَ الحاجة إلى السنة النبوية والاستغناء عنها، وهو: الاكتفاء بالقرآن الكريم والتخلّي عن السنة النبوية.

تمهيد:

تتجدَّد الدعوة دائمًا إلى الاكتفاء بالقرآن الكريم كمصدرٍ وحيد للشريعة الإسلامية، والأخذ بالقرآن الكريم لا شكَّ أنَّه لا يختلف فيه مسلمان، إلا أنَّ هذا الأخذ يتعرض دومًا للانتقاء والمزاجية في التعامل معه من قِبَل الأريكيين، فتجدهم عند إنكار السنة النبوية يحشدون عددًا كبيرًا من الآيات يغرقون بها القارئ ليستدلُّوا بها على أنّنا مطالبون بالاكتفاء بالقرآن الكريم وحده دون السنة النبوية، ويتخلَّل هذا العرضَ شيءٌ من التعليق والتحذير من ترك القرآن وهجره وعدم تدبُّره والحرمان من تذوُّق معانيه ومن السير خلف كتب الحديث والانجرار خلف أناس أَخطَؤوا وكانت لهم أسبابٌ سياسية ونفسيّة جعلتهم يختلِقون الأحاديث اختلاقًا، وكلُّ ذلك محاولة منهم لفصل الأمّة عن مصدر أساس في التشريع الإسلامي وهو السنة النبوية.

فمن شبهاتهم في باب إنكار السنة هذه الدعوى التي قدَّمنا بها، وهي أنَّ القرآن وحده كافٍ في التَّعبد، ولا نحتاج معه إلى السنة النبوية، وتقوم عباداتنا ومعاملاتنا كلها على القرآن الكريم وحده، بل هي من أبرز إشكالاتهم وشبهاتهم حتى ألَّفوا فيه مؤلفات منفردة، ولا تكاد تدخل موقعًا من مواقعهم إلا وتجد المقالات الطويلة في تقرير دعوى الاكتفاء بالقرآن عن السنة، فما معنى هذا الاكتفاء؟ وهل بالفعل بقي الأريكيون منكرو السنة على قولهم بالأخذ بالقرآن، أم أنهم وقعوا في انتقائية جعلتهم يختارون من الآيات ما يريدون؟

مفهوم الاكتفاء بالقرآن عند الأريكيِّين:

لا يفتأ المنكرون يكرِّرون على مسامعنا الآياتِ التي تبيِّن أنَّ القرآن مفصَّل مبيِّن، فلسنا بحاجة معه إلى أيّ شيء آخر وعلى رأسها السنَّة النبوية، ويستدلّون على ذلك بآيات من القرآن الكريم، يقول جمال البنَّا وهو يذكر رأيَ المنكِر توفيق صدقي: “لعلَّ أول من أثار الشكوك حول حجيَّة السنة في العصر الحديث هو الدكتور توفيق صدقي الذي نشر مقالين في العددين 7 و12 من السنة التَّاسعة من مجلة المنار تحت عنوان: (الإسلام هو القرآن وحده)، يستبعد فيها حجية السنة على الأسس الآتية:

أولًا: قول الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، يدل على أنَّ الكتاب قد حوى كلَّ شيءٍ من أمور الدين، وكلَّ حكم من أحكامه، وأنَّه بيَّنه وفصَّله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة، وإلا كان الكتاب مفرّطًا فيه، ولَمَا كان تبيانًا لكل شيء، فيلزم الخُلف في خَبرِه تعالى وهو محال”

وينقل محمَّد حمزة عن توفيق صدقي رأيَه في السُّنة، وأنَّها إنَّما جاءت نتيجة لحاجة الفقهاء لها، وأنَّ القرآن مبين لا يحتاج إلى بيانٍ آخر، يقول: “هل يُعذَر المسلمون في تركهم القرآن خلف ظهورهم والانشغال عنه بمراجعة الروايات التي لا تحصَى؛ لظنِّهم أن القرآن غيرُ وافٍ كلّه، والله تعالى يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]؟! لقد كان صدقي متنبِّهًا إلى أنَّ تشكُّل منزلة السنة كان عملًا تاريخيًّا قام به المسلمون بعد وفاة الرسول رغبةً في اكتساب أقواله وأفعاله حجيَّة، واحتجُّوا على مشروعيَّة عملهم بما في القرآن من إشكال، وبالحاجة الشديدة إلى أصلٍ آخر متَّصل بالقرآن، قد لا يساويه منزلةً، ولكن يقاسمه الحجية، وذلك لحلِّ ما غمُض من القرآن، وقد وقع تثبيت صِلَة السنة بالقرآن بتأویلِ آياتٍ عديدة، إلا أنَّ صدقي لا يرى في هذه الشواهد القرآنيَّة سوى فهمٍ موجَّه غايته التبرير فحسب، ففي خصوص الزعم بأنَّ السنة لا محيصَ عنها لتبيين الكتاب وتفصيل مجمَلِه وتفسير مشكِلِه فإنَّ صدقي ينفي هذا الأمر، فلو كان جميعُ ما ورد في كتب السنة من الأحاديث المعتبرة تبيانًا للقرآن لكان في غاية الإجمال، ولما وصفه الله بكونه مفصَّلًا وبيِّنًا في قوله: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحج: 16]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} [الأنعام: 114]، وقوله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، ويتساءل صدقي من جديد: كيف يصف الله كتابه بهذه الأوصاف وهو في حاجة إلى هذه الملفَّات الضخمة من كتب السنَّة لإيضاحه وتفسيره وتفصيله؟! وكيف يكون القرآن آيةً في البلاغة وفيه ما لا يفهم إلا إذا فسَّره الرسول بنفسه؟! إنَّ القرآنَ في رأيه ليس فيه مجمَل تحتاج إلى تفصيله إلا وفصَّله بقدر ما تقتضيه حاجة البشريَّة، ولكنّه يشتمل على مطلقٍ لم يقيّد حتى يترك لمقتضيات الحال والزَّمان والمكان، والخلاصةُ أنَّ القرآن بيّن ومفصَّل تفصيلًا يفي بحاجة جميع البشر من دون احتياجٍ إلى شيء سواه، ولذلك لم يصفه الله تعالى بالإجمال في موضع واحد، ووصفه بضده في مواضع كثيرة”

وهذ الرأي ليس فقط منقولًا عن صدقي، بل هو ما يقول به محمد حمزة، يقول: “لا مراء في أن السنة احتلَّت مكانةً كبيرة في أصول الفقه؛ إذ اعتبرت الأصل الثاني فيها بعد کتاب الله، بیدَ أن هذه المكانة كانت متأخِّرة عن ظهور الأحكام الإسلامية التي قصد بها تنظيم العلاقات الاجتماعية، فكان تأسيس المنظومة استجابة لحاجة الفقهاء إلى وضع تشريع مقنَّن يمكِّن مِن استنباط أحكام جديدة”

فلغة الأريكيين في هذا الجانب واضحَة في أنَّهم ينكرون السنَّة لأنَّ القرآن جاء ببيان كل شيء، وبتفاصيل كل شيء، بحيث لا يحتاجون معه إلى السنة النبوية، إذ لو كان القرآن الكريم محتاجًا إلى السنة لما كان مبيّنًا بنفسه، ولا كان قد حوى كلَّ شيء، وهذه ناصية شبهاتهم حول إنكار السُّنة، ومثل هذا الاستدلال طافح في مواقعهم وفي المواقع التي تهتمّ بمناقشة المنكرين، إلا أنَّ استدلالهم هذا غير مستقيمٍ من أوجه كثيرة، ويبين قولهم هذا خللًا منهجيّا لدى التيار الأريكي في قضية الانتقاء والفهم والتفسير، ونناقش قولهم هذا في دلالة هذه الآيات وحقيقة أخذهم بها في النقاط الآتية:

أولًا: جمعٌ دون تمحيص:

أوَّل ما يتبين لك عند قراءة هذه الآيات واستدلالهم بها أنَّهم إنَّما جاؤوا إلى ما فيه ذكر للكتاب فأخذوه ووضعوه في سياق إنكار السنة، وإن كانت الآيات نفسها ليس لها علاقة بإنكار السنَّة، ويظهر هذا في عدد من الآيات التي استدلّوا بها، وذلك مثل استدلالهم بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، وهي آية حاضرة كثيرًا في استدلالاتهم ونقاشاتهم لبيان أنَّ القرآن الكريم فيه كلُّ شيء، وهذا استدلال بعيد عن الصواب من جهتين:

الوجه الأول: من جهة أنهم لم يذكروا القولَ الأشهر في معنى الآية، وهي أنَّ المراد بالكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولا أعني بأنهم لم يذكروا القولَ الأشهر أني أُلزمهم بأقوال السلف والمفسرين، فهم لا يرفعون بها رأسًا، وإنما سياقُ القرآن نفسُه يقوِّي هذا الرأي، فهذا هو المناسِب للآية الكريمة والتي يقول الله فيها: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، فأين ذكر القرآن الكريم حياةَ الحيوانات وأنواعَهم وأصنافهم وما خلق لهم وما هيَّأ لهم كما ذكر للإنسان؟! فلو كان المراد هنا هو القرآن الكريم لكان كما ذكر عن الإنسان ومساكنه وأحواله وما إلى ذلك أن يكون قد ذكر مثلَ ذلك عن الحيوان، وهو ما لا نجده في القرآن الكريم، فإن قلنا: إنَّ المراد هو اللوح المحفوظ لكان ذكرُ هؤلاء فيه مثل ذكر الإنسان، يقول ابن عباس رضي الله عنه: “{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أمِّ الكتاب”.

يقول الزمخشري رحمه الله: “{أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقُكم وآجالُكم وأعمالُكم {مَا فَرَّطْنَا} ما تركنا وما أغفلنا {فِي الكِتَابِ} في اللوح المحفوظ {مِن شَيْءٍ} من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت ممَّا يختص به”

ويقول ابن كثير رحمه الله وهو يبين أنَّ الآية تقتضي ذكرَ كلّ أمور الدواب والطيور، وهذا ما ليس موجودًا في القرآن الكريم: “وقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي: الجميع عِلمُهم عند الله، ولا يَنسى واحدًا من جميعها مِن رزقه وتدبيره، سواء كان برِّيًّا أو بحريًّا، كما قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6]، أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها” فهذه الآية من جنس الأولى، وهي تبين أن المراد هو اللوح المحفوظ.

الوجه الثاني: من جهة أنهم مع قولهم بأن المراد هنا هو القرآن الكريم فإنهم حجَروا على عقول الناس وأفهامهم؛ لكيلا يفهموا إلا فهمًا واحدًا وهو الفهم الذي يريدونه، وإلا فإننا حتى لو قلنا: إن المراد بالكتاب هنا هو القرآن الكريم فأيضًا لا تدلّ على نفي حجِّيَّة السنة وعدم الحاجة إليها، ويُبيِّن ذلك الآتي:

ثانيا: ما معنى بيان كل شيء؟

ألفاظ العموم التي يتمسَّك بها الأريكيّون هي الألفاظ التي تستغرق جميعَ ما يصلُح لها، وليس جميعَ الأشياء سواء يصلح لها أو لا يصلح لها، فالعموم في كل أمرٍ بحسب ما يصلُح له، يقول أبو الثناء الأصفهاني في تعريف العام: “اللفظ المستغرِق لما يصلح له”

ويظهر هذا بوضوح في القرآن الكريم لو كانوا يفقهونه ويقرؤونه ويتدبَّرونه، فالله سبحانه وتعالى قد قال: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19]، ثم قال: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، ولا شكَّ ولا ريبَ أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يدخل في هذا العُموم، ومثل ذلك قوله تعالى عن بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] مع أنها لم تملك ملكَ سليمان عليه السلام، ومثل ذلك قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25]، ومع ذلك فقد قال الله سبحانه وتعالى في نفس الآية: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25] فلم تدمِّر مساكنَهم، فتبيَّن من هذا أنّ عمومَ الشيء إنما هو عموم لما يصلح لَه.

ونصوص السلف كثيرةٌ في بيان أنَّ القرآن مبيَّن فيه كلُّ شيءٍ بالاعتضاد بالسنة النبوية؛ إذ إنَّ السنة ليست ضدًّا للقرآن ولا ندًّا له، ولذلك كان موقف هؤلاء من السنة بهذا السوء حين جعلوه كتابًا مستقلًّا تمامًا عن القرآن، ثم افترضوا التضادَّ بينهما، أما السلف فقد فهِموا أن السنة شارحةٌ ومبيِّنة، وضمن منظومة واحدة مع القرآن الكريم من حيث الحجيَّة بها وبيانُها لما في القرآن الكريم، وإن كانت السنة تختلف عن القرآن في حيثياتٍ أخرى.

ولا أريدُ أن أنقل أقوال السلَف هنا؛ لأنَّ المنكرين يردُّونها بإطلاق، ولا يعرفونها إلا حينما يريد أحدهم أن يحتجَّ على مثبتِ السنَّة، فيتذكر أنَّ هناك سنةً وسلفًا، يعبث في فهارس كتبهم ليجد أي شيء يتعلق به ضدَّ المثبتين وإن كان هو في الحقيقة ينكر تماما السنة وطريقة وصولها إلينا، لكن تكفينا الدلالة العقلية على أنَّ العموم أولا لا يعني في خطاب الشارع عمومًا مطلقًا يعمُّ كلَّ الأشياء.

ومما يؤكِّد هذا ويوضِّحه أنَّ كثيرًا من الأحكام الأصيلة التي أتى بها القرآن -عدا ما جاءت بها السنة- لا نَعرف تفاصيلها ولا أعدادها ولا شروطها ولا أحكامها التفصيلية إلا بالسنَّة النبوية، فالصلاة التي هي الركن الثاني في الإسلام لا نعرف من القرآن الكريم عددها وصفتها وأركانها وما يقال فيها وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة، وأكثر سؤال يتخبَّط فيه المنكرون هو السؤال عن تفاصيل التشريع كالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغيرها، بل حتى التشريعات الجنائية من شروط الحدِّ وما يدرؤه وتفاصيل إقامته، والمواريث وما يتعلق بها، والزكاة وأنصبتها، وكثير من الكفارات، وتفاصيل الحجّ كالطواف سبعًا والسعي سبعًا ورمي الجمار والمبيت وغير ذلك من التفاصيل الكثيرة، والقائمة تطولُ إذا أردنا أن نجمع الأحكام التي وردت في القرآن مجملةً وجاءت السنة بتفاصيلها.

ولا يأتي متحذلقٌ من الأريكيّين ليقول: ولمَ تُلزمنا بتفاصيل العبادات؟! بل أقول: العبادات هي ما ورد في القرآن فقط وبنفس الهيئات.

والجواب أن يقال:

1- إنَّ المنكِر لا يستطيع أن يثبِتَ أن القرآن أتى بكلِّ شيء في ذلك، بل لا بد له من تخصيص الآيات، فإنه يمكن السؤال عن الطبّ والهندسة والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم إذا كان العموم على بابِه يتناول كلَّ شيء، وستجد المنكر يقول: بل المراد بيانُ كلّ شيء نحتاجه في الدّين، وهذا أوّل تخصيص للآيات، يقول محمد حمزة ناقلًا رأيَ توفيق صدقي: “إنَّ القرآن في رأيه ليس فيه مجمَل تحتاج إلى تفصيله إلا وفصَّله بقدر ما تقتضيه حاجة البشريَّة، ولكنه يشتمل على مطلق لم يقيد حتى يترك لمقتضيات الحال والزَّمان والمكان” فهذا تخصيص لعموم الآيات، فبتخصيص من نقول ونحكم؟! أبتخصيصِ من نزلت عليه هذه الآيات وتخصيص من عاشوها وحفظوها وعايشوا نزولها، أم بتخصيص من يقول: إننا نخصصها حسب المكان والزمان؟!

2- أنَّ القول بعدم وجود تفاصيل غير ما ورد في الكتاب جعل كلَّ واحد منهم له فهمُه الخاصّ، فمنكرو السنة مختلِفون أكثَرَ مِن اختلاف النّصارى، ولا تكاد تجِد اثنين منهم يتَّفقان على رأيٍ ولا على نِصفِه، فإذا شرَّق أحدُهم غرَّب الآخر، ومن يطَّلع على مواقعهم ونقاشاتهم يجد من هذا الكثيرَ، فالصلوات عند البعض خمس، وعند آخرين ثلاث، وعند غيرهم يكفيك أن تخشع لله وليس عليك صلاة، أما وقتها فعند البعض وقتان، وعند آخرين ثلاث، وعند غيرهم هو ممتد طول اليوم، أما الركعات والهيئات والركوع والسجود فلا تسَل، فقد اخترع كلُّ واحد منهم دينًا يلائمه، فمنهم من يقول: ركعة واحدة وركوع واحد وسجدة واحدة، ومنهم يقول غير ذلك، ولهم في ذلك مشارب واختلافات لا تُحصر، هذا في أعظم ركنٍ بعد الشهادتين وهو الصلاة، فهل مثل هذا يأتي به القرآن الدّاعي إلى الاجتماع وعدم الاختلاف بينما هم في قضيةٍ واحدة عظيمة من الدين ليس لهم رأي محرَّر؟! وما سوى الصلاة أعظمُ وأطمّ، ويجتهد كلُّ منكر كما تُملي عليه نفسُه وهواه، وكان بعضهم يفتي بأن الحائض تصلِّي لكنها تتحفَّظ، وإذا نزل منها شيء أثناء الصلاة فإنها تعيدُ الطهارة، وأصدر تلك الفتوى في موقعِه، فلما علَّقت عليه سيدة بأن الحيضَ نزولُه إجباريّ ولا يمكنهم التحكُّمُ فيه غيَّر الدينَ في تلك اللحظة مباشرةً، فقال: نعم، لا بأس أن تقابلَ ربَّها بحيضها! فهكذا حالُهم، وصفحات الإنترنت ومواقع التواصل طافحةٌ بهذا الاختلاف، فأي دينٍ هذا الذي يريده الأريكيون أن نتبعه؟! أدين توفيق صدقي أم البنا أم أحمد منصور أم فلان وعلان؟! وهل نترك قول خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم لنتَّبع من يجوِّز الخمر لأنه -بزعمه- لم يرد نصٌّ صريح بتحريمه، ومن يجوز الصلاة مع الحيض، ومن يجعل الصلاة ركعة واحدة وغير ذلك من الطوام الكثيرة؟! مع أنهم لا يستطيعون التخلُّص من السنة مهما فعَلوا ونطقوا وصرَّحوا، وإن شئتَ فاقرأ كلامهم عن الصلاة وقولَهم بالركعات التي لم ترد في القرآن بهذا اللفظ، وغير ذلك. ثم يقال:

ثالثًا: نعَم، الله سبحانه وتعالى بيَّن كل شيء في القرآن، وما فرط فيه شيئًا:

وبيان ذلك: أنَّ الله سبحانه بيَّن فيه ما يحتاجه المسلم من أصول العبادات والمعاملات على سبيل الإجمال والحثّ والدعوة، وجعل تبيين ذلك وتفصيلَ القول فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يوحِي الله إليه، ففي القرآن تفصيلُ ما يحتاجه المسلم من أمور دينه، أما تفاصيل تلك الأحكام والتشريعات فقد جاءت في السنة النبوية، وبهذا التكامل تكون الآيات كلّها في محلِّها، أي: أنَّ القرآن مبيِّن لكل ما يحتاج إليه المسلم من جهتين:

الوجه الأول: من جهة أنه بين للناس العبادات والمعاملات من حيث الجملة، وبين أصولَ الدين، وجعل تفاصيل ذلك في السّنة.

الوجه الثاني: فيأتي بيانه في النقطة التالية.

إذن فالقرآن الكريم جاء مبيَّنًا ومفصَّلًا فيه الكليات الشرعية، وهذا ما يقرِّره العلماء الذين لا يأخُذ الأريكيون بأيِّ قول منهم، وتتعجب من فئة تتنكَّر لعلمائها وأعلامها بينما كلّ أمة تتشبث بأقوال حكمائها وعظمائها، فلا سَلَف للأريكيين ولا علماء ولا حكماء، بل اتّباع الهوى أو الجهل، ونورد بعض الأقوال هنا من باب “ليطمئن قلبي”، يقول الشاطبي رحمه الله: “تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلِّيّ لا جزئيّ، وحيث جاء جزئيًّا فمأخذه على الكلية إما بالاعتبار، أو بمعنى الأصل، إلا ما خصه الدليل مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على هذا المعنى بعد الاستقراء المعتبر أنَّه محتاج إلى كثيرٍ من البيان؛ فإنَّ السنة على كثرتها وكثرة مسائلها إنَّما هي بيان للكتاب كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى، وقد قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]… وإنما الذي أعطي القرآن، وأما السنة فبيان له، وإذا كان كذلك فالقرآن على اختصاره جامع، ولا يكون جامعًا إلا والمجموع فيه أمورٌ كليَّات؛ لأنَّ الشَّريعة تمَّت بتمام نزوله؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، وأنت تعلم أنَّ الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبيَّن جميع أحكامها في القرآن، إنما بيَّنتها السنة، وكذلك العاديّات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها… فعلى هذا لا ينبغِي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النَّظر في شرحه وبيانه وهو السنة؛ لأنه إذا كان كليًّا وفيه أمور جُملِيَّة كما في شأن الصَّلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها؛ فلا محيص عن النَّظر في بيانه”

ويقول الشافعي رحمه الله: “فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه ممَّا تعبَّدَهم به لما مضى من حكمه -جل ثناؤه- من وجوه:

فمنها: ما أبانه لخلقه نصًّا، مثل جُمَلِ فرائضه في أنَّ عليهم صلاة وزكاة وحجًّا وصومًا، وأنَّه حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصِّ الزنا والخمر، وأكلِ الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك ممَّا بيَّن نصًّا.

ومنه: ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه، مثل عدد الصلاة، والزكاة، ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه.

ومنه: ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس لله فيه نصُّ حكمٍ، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل”

وهذه هي الجهة الأولى في أن القرآن مبيّن لكل شيء، أما الجهة الثانية فهي:

رابعًا: القرآن مبينٌ لكل شيء بما في ذلك: الأمر باتباع السنة:

الأريكيون يقعون في انتقاءٍ فجٍّ حين يُصِرّون على إيراد الآيات التي تبيِّن أنَّ الله سبحانه وتعالى بيَّن في القرآن كل شيء، ثم يتجاهلون الآيات الكثيرة التي تدلُّ على وجوب اتباع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة هذا تُدرك الجواب عن كلّ الآيات التي يستشهدون بها على الاكتفاء بالقرآن وعدم حجيَّة السنة، فالقرآن هو الأصل الذي يَرجع إليه المسلمون في أمور دينهم، وهو نفسه حَوى الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وتقريراته، فحجيَّة السنة مستَمَدّة من القرآن الكريم المبيِّن للأحكام الشرعية، وقد قلت سابقًا: إن مشكلة الأريكيين هي فصل السنة عن المنظومة القرآنية بالكلية وجعلها مضادَّةً للكتاب، والصحيح أن السنة ليسَت منفصلة عن المنظومة التي يمثِّلها القرآن وهي منظومة الوحي، فعلى هذا الأساس يجب أن ينظر إلى السنة.

فالأريكيون حين يدْعُون إلى الاكتفاء بالقرآن دونَ النَّظر إلى السنة النَّبوية يغضُّون الطرف عن أمرين، وهما:

الأمر الأول: أنَّ القرآن لم ينزل إلى الأرض دفعةً واحدةً على ألواح مكتوبة ليأخذ منه المسلمون كما يريدون، وإنما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم منجَّمًا طيلة ثلاث وعشرين سنة، وهذا يجعل تطبيقه وتفسيره وتبيينه مرتبطًا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

الأمر الثاني: أنَّ القرآن نفسه يدعو إلى الاحتجاج بالسنة، ويحيلنا إليه عليه الصلاة والسلام، وليس هنا موضعَ تقرير حجية السنة والأدلة عليها من القرآن الكريم وهي كثيرة، لكن نشير باختصار إلى أصولها، فمنها:

– الآيات التي أمرت بطاعة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، وغير ذلك من الآيات، ولا يمكن القولُ بأن المراد بطاعته هنا: طاعة الرسالة، فإن مثل هذا التكرار ممجوج، ولا يمكن أن يكون في القرآن مثله، إذ إنَّ معنى: أطيعوا الله أي: القرآن، وأطيعوا الرسول -حسب زعمهم- أي: القرآن، فيصبح المعنى: أطيعوا القرآن وأطيعوا القرآن! وهذا معنى لا يستقيم والبلاغة القرآنية.

– الآيات التي أمرت باتباعه، مثل قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].

– الأمر بالاقتداء به، مثل قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

– التحذير من مخالفته، مثل قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي ليس هنا محل التفصيل فيها، وهي آيات تغاضى عنها المنكرون، واكتفوا بالآيات التي تبين أن القرآن مبين، مع أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أحالنا في حال النزاع إلى الله ورسوله، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] فهل هذه الإحالة إلى ما يناقض القرآن أم إلى مأمور به شرعا وهو مما أتى به القرآن؟!

فالأريكيون يردون القرآن من حيث يريدون القول بأنَّهم يأخذون به وحده دون غيره، فهم يأخذون ما يحلو لهم دون غيره من الآيات التي لا تكون وفق مرادهم، فالقائل بكفاية القرآن وحده دون الأخذ بالسنة يجد نفسه يخطِّئ القرآن ويردّ عليه، فلا توجد في القرآن آية واحدة يقول الله فيها: خذوا بالقرآن وحده، أو اكتفوا به، بل يؤكِّد مرارا على الأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو عامّ، فيتناول القرآن والسنة.

وهذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما احتجَّ به ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: لعن الله الواشمات والموتشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنَّه بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت! فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله؟! فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول! قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتِيه، أما قرأتِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؟ قالت: بلى، قال: فإنَّه قد نهى عنه

وبهذا المعنى فَهِم السلف معانيَ الآيات التي تخبر أنَّ القرآن مبين مفصل، يقول الجصاص: “قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} يعني به والله أعلم: تبيان كل شيء من أمور الدين بالنَّص والدلالة، فما من حادثة جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب نصًّا أو دليلًا، فما بينه النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّما صدر عن الكتاب بقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، وقوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، بيَّنه الرسول فهو عن الله عز وجل، وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا بطاعته واتباع أمره”

ويقول ابن الجوزي: “{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا} قال الزجاج: التبيان: اسم في معنى البيان. فأمَّا قوله تعالى: {لِكُلِّ شَيْءٍ} فقال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من أمور الدين، إِما بالنص عليه، أو بالإِحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع المسلمين”

فعُلِم من هذا أنَّ الأخذ بالسنة أخذٌ بالقرآن، وتركُ السنة تركٌ لبعض القرآن، فليس الأمر فقط أن الأريكيين قد فشلوا في الاستدلال على أطروحتهم بأدلة صريحة، بل أيضا فشلوا في الأخذ بكل القرآن الذي ينادون بالأخذ به.

خامسًا: ماذا لو أخذنا بشعارهم؟

قبل أن أبيِّن الذي نُصبح عليه لو أخذنا بشعارهم أودُّ لَفتَ العقول إلى أمر مهم وهو: هل رأيتم منكرًا للسنة من قبل يأخذ بكل القرآن؟! لا أعني هنا الأخذ بآيات طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما غير ذلك من الأحكام التي وردت في القرآن، مع كثرة القراءة في مناقشاتهم وجدالاتهم ومعرفة شخصياتهم، تجدُ أن العصرانيين الذين يُنكرون السنة اليوم وينادون بالأخذ بالقرآن هم أبعدُ الناس عن القرآن، فهم من يرفعون راية “القرآن وكفى” بينما في الحقيقة يمشون خلفَ راية “ما نريدُ وكفى”، وبِغضِّ النظر عن كون بعضِ المنكرين قد يقولون بما سأقوله الآن، لكن جلُّهم يتلعثَمون عند أولِ سؤال يوجَّه إليهم في العمل بكل أحكام القرآن من مثل: أخذ الجزية من أهل الكتاب مَثلا، كم منكرٍ للسنة رأيته ينادي بأخذ الجزية وهو صريح القرآن؟! وكم منكر رأيتَ عنده الاستعداد لقتل قطاع الطرق وصلبهم وقطع يديهم وأرجلهم من خلاف؟! والله سبحانه وتعالى قد بين حكم السارق فقال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] فهل يرضَون بهذا الحكم القطعيّ من الله، أم يضربون أخماسًا في أسداس للتنصُّل من هذا الحكم؟! ودونك كتبهم ومواقعهم ومقالاتهم لتجد أنه حتى القرآن الكريم لا يناسِبُهم، ولا يتماشى مع أفكارِهم، وإن تنزلنا وقلنا لهم: خذوا بالقرآن وحدَه لما فعَلوا، هذا ما يشهد به عليه واقعهم، كلُّ ما أرادوه هو إنكار السنة وهدم التشريعات الإسلامية، ثم لينظر كل إنسان كيف يريد أن يعبد ربه فليفعل!

نعود إلى سؤالنا: ماذا لو أخذنا بشعارهم؟

لو أخذنا بالقرآن وحده وتركنا السنة خلف ظهورنا لوصلنا إلى:

1- أديان بحسب كل مسلم يريد أن يعبدَ الله، فإن القرآن الكريم كما لا ينكره منكر للسنة أو معترف بها لم يأت بتفاصيل العبادات، وفي حين إننا نقول: تُرك بيان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: ترك ذلك لفهم كل واحد من الناس، فصلِّ ثلاثا أو أربعا أو خمسا، واركع بالهيئة التي نعرفها أو اعتبر مجرد نزولك للسجود ركوعًا، إلى غير ذلك من الاختلافات الكثيرة، وهذا المعنى المفتوح للنص لا يستقيم مع أي كتاب دنيوي فضلًا عن أن يستقيم مع كتاب الله سبحانه، فإن الله حين أنزل هذا القرآن أمر بأوامر ونهى عن أمور بينها ووضحها، ولها شروطها وأركانها وهيئاتها، وتَرْكُ النص مفتوحَ المعنى يصيِّرنا إلى أن نجعل الدين الواحد أديانًا شتى حسب كل من يحاول فهمه بحسب عقله.

2- أن نترك 90% من الدين، فليس لنا من الصلاة إلا ركعة واحدة نركعها صباحا أو مساء، وليس لنا من الحج إلا الإفاضة من عرفة في أي وقت شئنا وذكر الله عند المشعر الحرام وانتهى، وليس لنا شيء من السنن الكثيرة التي جاءت بها السنة النبوية، بل والأخذ بهذا الشعار يجعلنا في حيرة من أمرنا حتى في الأحكام القطعية التي أتى بها القرآن، مثل حد السرقة الذي قال الله فيه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]، فمن أين نقطع؟ من مفصل الكف أم المرفق أم الكتف؟ ولِمَ نحدد هذا دون هذا؟! وفي أي شيء نقطع؟ في سرقة تفاحة أم بيضة أم خَردلة؟! وما السرقةُ من الأساس؟ هل الاختلاس يعدُّ سرقةً؟! هل جحد المال يعدُّ سرقةً؟! وقائمةُ الأسئلة تطول إلى درجة أننا أمام هذه الحيرة بين أمرين: إما أن نصِل إلى الفوضى، وربما كل إنسان رأى أحدا يسرق قطع يده، فالآية لم تحدِّد من يفعل ذلك، أو نصل إلى أن نتوقف عن إعمال الآية لأننا لا نعرف المراد منها!

3- الأخذ بهذا الشعار هو إبطال للقرآن كما بينَّا، فالأخذ بالقرآن يعني الأخذ بالسنة، وعدم الأخذ بالسنة يعني إبطال لجزء من القرآن وهو الآيات التي أمرت باتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

4- النزول من اتباع خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم وخير الناس الصحابة الكرام إلى غثاء هؤلاء ممن يقولون: لا تأخذوا بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن خذوا بما قاله شحرور وصدقي وحسن حنفي وجمال البنا وأحمد منصور وغيرهم.

5- أن نفتح الباب للملاحدة والتأريخيين للطعن في القرآن والإسلام، من نفس الباب الذي يطعن منه الأريكيون في السنة، فإن نقلة السنة هم نقلة القرآن، وطريقة نقل السنة هي طريقة نقل القرآن مع اختلاف في التواتر لكن المنهجية واحدة، وقد أخذنا بالقرآن المنقول إلينا، فإن الكتاب الذي كُتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم غير موجود أمامنا، فما يفعل المنكرون؟! إلى غير ذلك من المداخل التي لا يستطيع المنكر للسنة إبطالها إلا إذا اعتمد على الروايات التي يردُّها.

وأخيرًا:

جاء الأمر في القرآن الكريم باتباع الكتاب والسنة، لا الاستغناء بأحدهما عن الآخر، ومن يسبر حال القوم يعرف تناقضاتهم واختلافاتهم واضطرابهم في كل أمور الشريعة، فلا يكادون يتفقون على رأي، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بمثل هذا، يقول ابن حزم رحمه الله: “ولو أنَّ امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر؛ لأنَّ ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك”.

ويقول الشاطبي رحمه الله: “الاقتصار على الكتاب رأي قومٍ لا خَلاقَ لهم، خارجين عن السنة؛ إذ عولوا على ما بنيت عليه من أنَّ الكتاب فيه بيان كل شيء، فاطرحوا أحكام السنة، فأدَّاهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله”. والشاطبي رحمه الله يشير إلى الفوضى التأويلية والتفسيرية التي يقع فيها منكرو السنة، حين يرمون بأقوال وأعمال خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم ليتبع كل واحد منهم رأيه أو يقلد رأي كبير من كبرائهم، وليس في هذا إلا فتحٌ لباب القول بالنص المفتوح وجعل المعنى غير قطعي في أيِّ نص شرعي، بل يكون حسب ما يفهمه كل قارئ، وكفى بذلك عبثًا بشرع الله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

المرفقات

أضف تعليقا