تواصل معنا

الإنسانويّة.. دين بلا هويّة (مقالة)

الوصف

فالمسلم الحق ينطلق في علاقاته على هَدي الوحي، ويعقد ولايته على مقتضى الإيمان وهو مع ذلك لا يعامل غير المسلمين المسالمين إلا بالبر والإحسان والعدل، يقول تعالى: { لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8] والإسلام منهج كامل، مفاهيمه مضبوطة، مفرداته في جوهرها: كالتسامح والسلام والتعايش، مختلفة عن مفاهيم الثقافة العلمانية، لا مثالية خيالية تُحرّم استخدام القوة فيه وتجعل المجتمع في مهب أطماع الجميع، ولا إفراط في استعمالها دون ضوابط مقننة

مقالة

 

 

الإنسانويّة.. دين بلا هويّة

 حين يُطرح مصطلح الإنسانيّة أمامنا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن مجموعة من معاني الإحسان إلى البشر وإعلاء قيمة الكرامة الإنسانيّة، وإلى هذا الحدّ يتفق الجميع على أهمية ذلك وضرورته، بيد أن مصطلح الإنسانوية يحمل معانٍ أخرى أكثر خصوصيّة، ينفرد بها المنتمون لهذه الفكرة أي الإنسانويّة.

جذور الإنسانويّة

 يتبّنى البعض ممن ينتسبون للإنسانوية شعار المذهب الإنسانوي أو الآدمية المشتركة أو الهيومانيّة، ومثلها من المسمّيات التي تدور في فلك هذا المعنى، والذي يجمع هذه الشعارات رفع قيمة الإنسان -وتأليهه أحيانًا- من خلال نزع القداسة عن الإله، وجعلها تحوم حول الإنسان، ليصير بذلك مركز الكون الأول ومصدر الحقيقة.

جذور المذهب الإنسانوي ليست حديثة أو طارئة، بل إن مظاهرها التي تمثّلت في التمركز حول الإنسان تعود إلى الماضي حتى العالم القديم، ابتداءً من العصور الهنديّة القديمة التي اعتقدت إمكانيّة اتحاد الإنسان بالإله عن طريق ممارسة تأمليّة روحانيّة، مرورًا باليهودية المحرّفة التي شوّهت صورة الإله ونسبت إليه صفات النقص في مقدرة عبده يعقوب هزيمته بعد صراع دار بينهما، ثم كانت المسيحيّة المحرّفة التي رأت أن الإله حلَّ في عبده عيسى ابن مريم عليهما السلام، وما تلاها من عصور النهضة والتنوير في أوروبا لمّا اعتمدت على العقل والعِلم وهمّشت الدين، والتي شهدت وفرة المكتشفات في الفلك والصناعة ما أدى إلى تعاظم شعور الإنسان بالسيطرة وإمكانيّة الاستغناء عن الإله بشكلٍ كامل.

لاحقًا، في عصر الحداثة ظهرت فكرة سيطرة العقل على جميع جوانب الحياة العلمية والفكرية والحياتيّة، وصولاً إلى عصر ما بعد الحداثة الذي تراجع عن سلطة العقل في فهم وتفسير كل شيء، وأتاح للإنسان تكوين فهمه الخاص ضمن بيئته وظروفه، وبالتالي لا وجود للحقيقة، بل تصوّر الإنسان للحقيقة.

في  عام 1933 صدر البيان الإنسانوي الأول في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعرّف الإنسانويّة بأنها حركة دينيّة تهدف إلى التعالي وتجاوز الأديان السابقة ذات الأصل الإلهي، وفي عام 1973 صدر البيان الإنسانوي الثاني، تجلّت فيه قطيعة أكبر مع الدين إلى جانب ميول نحو الإلحاد، وأخيرًا أصدرت الجمعية الإنسانويّة الأمريكية البيان الإنسانوي الثالث عام 2003 بيّنت فيه رؤيتها التي تتمثّل في النزوع إلى الإلحاد، وتأليه الإنسان، وإنكار الحياة الأخروية، والاكتفاء بمنجزات العلوم الطبيعية والتجريبية واعتبارها مصدرًا وحيدًا للمعرفة، والقول بنسبية الأخلاق، وفصلها عن الدين، وعلمنة الدولة.

 

 

أنسنة العلاقات في العالم الإسلامي

خاض المجتمع الإسلامي في تسعينات القرن الماضي تحوّلات فكريّة وسياسية عدّة نتج عنها  تراجع الإعلام السياسي (التوجّه المطّلع نحو الحكم والدولة)، وظهور ما يُسمى اليوم بالدعاة الجدد، أو “إسلام السوق” والذي يمثّل مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، حيث يمتاز خطابه بالسيولة، وتبنّي رؤية التنمية البشريّة الأمريكيّة، والبُعد عن الشأن السياسي والقضايا الشائكة، التركيز على الخلاص الفردي، العناية بالمظاهر المدنية الماديّة العولمية، والدعوة المجتزأة للدين.

ومع رواج الخطاب الديني المدني الجديد وعلوُّ صوت الثقافة الغربية الغالبة الداعية إلى المفاهيم الإنسانويّة، فإن عددًا من الدعاة الجدد يحاول بكل ما أوتي من قوة تقديم إسلام خفيف الدسم، سائل في مفاهيمه الحاكمة (كمفهوم الإيمان بالله والجهاد والحجاب وغيرها)، وإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع الإنسانويّة بل يقبلها ويعتد بها، وذلك عن طريق إعادة تفسير النصوص والتراث الإسلامي تفسيرًا يُستبعد فيه أية دوافع دينية أو أخلاقية، ويبحث فيه فقط عن الدوافع المادية، يتمسّك بالمتشابهات ويتجاهل المحكمات ابتغاء تأويل الإسلام تأويلاً يتناسب مع الطرح الإنسانوي.

في هذا السياق يعلّق الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (معجم المناهي اللفظية) على مفردة الإنسانيّة بقوله: “اتسع انتشار هذه اللفظة البرّاقة بين المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويستملِحُ الواحد نفسه عندما يقول: هذا عمل إنساني. وما يدري المسكين أنها على معنى ماسونية، وإنها كلمة يلوكها بلسانه وهي حربٌ عليه؛ لأنها ضد الدين، فهي دعوة إلى أن نواجه المعاني السامية في الحياة بالإنسانيّة لا بالدين”.

ومن أبرز العبارات التي يرددها المدافعين عن الإنسانويّة في البلاد الإسلامية اليوم قولهم: “دع الخلق للخالق”، “من أنت حتى تحكم على الناس”، “لا تدري أيهما أقرب إلى الله”، “علينا أن نقبل الإنسان بصرف النظر عن دينه وعقيدته وميوله”، “الدين لا يفرقنا”، ويعمدون إلى ذكر مفردة الإنسان بصيغة مطلقة دون أي إضافات تخصص أو تُقيّد.

فالمسلم -بحسب الديانة الإنسانويّة- عليه أن يتقبّل الإنسان رغم شذوذه الجنسي، وعليه أن يتقبّل عبادته لما نهى الله عنه، ويُفضّل أن يحافظ على سكوته عندما تُفتح سيرة الأديان، وإن لم يستطع فيؤكد أن الله يقبّل الجميع، والأديان كلها صحيحة، وكلنا إلى الجنّة؛ إذ إن المهم –بزعهم- أن يتقبّل ويتعايش، ويتسامح، أو بالأحرى “يمسح” شخصيته تمامًا أثناء حديثه مع من يُخالفه كي يحافظ على ودّه، وأثناء قيامه بذلك لا بأس أن يُضيّع الله، ومعاييره جلّ وعز، وهويته الدينيّة، وكيانه الشخصي، المهم الإنسان، الآخر.


ويمكن في سبيل ذلك أن يُميّع الإسلام ويردد أنه دين السلام، والتعايش، والمحبّة، وأنه عزّ وجلّ يُحب الجميع، ويغض بصره عن  كلّ الصفات التي وردت في الآيات القرآنية التي تقول بوضوح: {إن الله لا يحب} ولا بأس –برأيهم-.. فإن المهم في النهاية هو الإنسان، سواء كان هذا الإنسان فاسقًا، أو كاذبًا، أو خائنًا، أو ظالمًا، أو كافرًا، أو منافقًا، أو فاسدًا..

كل هذا لا يهم، فهذا –بزعمهم- شأنه وحده، وله الحريّة الكاملة في سلوكه وخُلُقه، وجميعنا مطالبون بمحبته كإنسان حتى ترضى عنّا الديانة الإنسانويّة ومن ينتمون إليها.

أمسِك عليك هويّتك!

ردًا على ما تقدّم،  يقول أ. إبراهيم السكران [في كتابه مآلات الخطاب المدني]، إن أنسنة العلاقات -أي جعلها قائمة على مبدأ الإنسانية بصرف النظر عن الهوية والمعتقَد- تستبعد المضمون الديني في صياغة علاقتنا بالآخرين، وتطمس الأوصاف القرآنية التي ميّز الله على أساسها الناس، كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق، وتضع هؤلاء جميعًا في مرتبة واحدة بناءً على اشتراكهم في الإنسانيّة، ليصبح المسلم واليهودي والوثني سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانيّة والسلام البشري. بينما لا يخفى على من يقرأ القرآن حق ترتيله، نازلاً بنفسه على هوى القرآن وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه، أن مفردة الإنسان بالمطلق مذمومة في كثير من آيات القرآن إن فَقَد شرف الإيمان، ويُستثنى من عموم الذم أهل الإيمان.

ومن ذلك سورة العصر، في قسم الله بالزمان على خسارة الإنسان التامّة، ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر: 3]

وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان، فقال: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19-22]، بل جعل الله تعالى منزلة الكفّار دون منزلة الأنعام {لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولـئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولـئِكَ هُمُ الغافِلونَ} [الأعراف: 179]، فكيف بعد ذلك يصح القول بأن الله كرّم الإنسان بالمطلق بصرف النظر عن هويته الدينيّة، أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرّق بين أبناء آدم؟ كم من الآيات القرآنية يجب أن ننتزعها من المصحف ليتناسب القرآن مع المذهب الإنسانوي؟

ومما انبنى على الميزان الإنسانوي أن من يحتكم إليه يرفض التعرّض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الثقل التاريخي بسبب منجز علمي أو أعمال خيريّة، ويجزم بأنه في الجنة حتى لو كفر بالإسلام.

وفي سيرة سيدنا النبي محمّد ما يحسم ذلك، فهذا عبد الله بن جدعان ملأ الجزيرة العربيّة بالأعمال الخيريّة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفاء، لكن عندما سألت السيدة عائشة: هل ذلك ينفعه؟ أجابها النبي: (لا إنَّه لم يقُلْ يومًا قطُّ: اللَّهمَّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدِّينِ) [أخرجه مسلم في الصحيح]

يضاف إلى ذلك الرؤية الحالمة للمذهب الإنسانوي وما ينقصها من تطبيقٍ عمليّ، إذ لا توجد دولة اليوم تعمل للإنسان بالمطلق، بل إن كل ثقافة معاصرة بلا استثناء تميّز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس، وبذلك يُجيّش لإنسان أمريكا مثلاً ما لا نراه لإنسان أفغانستان أو الصين المسلمة.

 

المعايير في التشريع الإسلامي

على عكس ما تدعو إليه الإنسانويّة من قَبول الإنسان بصرف النظر عن عقيدته، وزعمها أن البشريّة كلها في المحبّة والموالاة سواء، يُبين ابن تيميّة [في كتابه العبوديّة] أن “العبد يُحب من المخلوقات ما يُحبّه الله، ويُبغض منها ما يُبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويُعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها، ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها، ولا يرجوها في الله، فهذا هو القلب السليمُ الحنيفُ الموّحدُ المسلمُ المؤمنُ العارِف”. أما محبّة من أعلن الله عن كراهته بوضوح في كتابه؛ فذلك مما يخدش المحبّة الصادقة له تعالى الصادقة، يقول ابن تيميّة: “من تمام حبّ العبد لله أن لا يُحبّ إلا ما يُحبّه الله، فإذا أحببت ما لا يحبُّ كانت المحبَّة ناقصة، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهتِهِ لم أكن محبًا له، بل محبًا لما يبغضهُ”.

فالمسلم الحق ينطلق في علاقاته على هَدي الوحي، ويعقد ولايته على مقتضى الإيمان وهو مع ذلك لا يعامل غير المسلمين المسالمين إلا بالبر والإحسان والعدل، يقول تعالى: { لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8] والإسلام منهج كامل، مفاهيمه مضبوطة، مفرداته في جوهرها: كالتسامح والسلام والتعايش، مختلفة عن مفاهيم الثقافة العلمانية، لا مثالية خيالية تُحرّم استخدام القوة فيه وتجعل المجتمع في مهب أطماع الجميع، ولا إفراط في استعمالها دون ضوابط مقننة.

أما التحرّج من حقائق الوحي مجاملة للإعلام، وتماشيًا مع الذوق الجماهيري المدني، “لن تغيّر من حقائق الوحي شيئًا إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل”، بتعبير إبراهيم السكران.

ولذلك كانت مراقبة الإنسان لقلبه ومفرداته ورغباته ضرورة في عالم يعلو فيه صوت الخطاب المدني الإنسانوي، ويرسم معايير وموازين بعيدة عن الوحي الإلهي، تكون في كثير من الأحيان معايير مضمرة غير معلنة تتنكر في زي التمدّن، وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار الوجوه.
فكم يتسع مقدار الألم في النفس إذا أبصر الإنسان يومًا داخله ليكتشف أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي، فيصطدم بمشاعره الداخليّة تعظّم من حطَّ الله في قدره، وتستهين بمن رفع الله شأنه.

 

 

المرفقات

التصنيفات العلمية

المصدر

أضف تعليقا