تواصل معنا

الرد على شبهة إباحة التماثيل والتصاوير في زماننا لبعد الناس عن الشرك (مقالة)

الوصف

خرج أحدهم بفهم لمسألة حكم التصاوير والتماثيل وقال أنها مباحة الآن فقد كانت محرمة قبلا لتعلق نفوس العرب بها وشركهم بها والتحريم الوارد في الأحاديث إنما هو إذا قصد المصور مضاهأة خلق الله أو تحريما لسد الذريعة فهي ليست محرمة لذاتها لإباحتها قبلا لنبي الله سليمان. -فهل هذا الفهم أو التصور الجديد للمسألة ضمن الاجتهادات التي يحتمل فيها الخطأ والصواب أم أن فيه عيبا في الفهم والتصور؟

مقالة

السؤال:

خرج أحدهم بفهم لمسألة حكم التصاوير والتماثيل وقال أنها مباحة الآن فقد كانت محرمة قبلا لتعلق نفوس العرب بها وشركهم بها والتحريم الوارد في الأحاديث إنما هو إذا قصد المصور مضاهأة خلق الله أو تحريما لسد الذريعة فهي ليست محرمة لذاتها لإباحتها قبلا لنبي الله سليمان.
-فهل هذا الفهم أو التصور الجديد للمسألة ضمن الاجتهادات التي يحتمل فيها الخطأ والصواب أم أن فيه عيبا في الفهم والتصور؟

الجواب:

سيتناول الجواب عددا من المحاور وهي :

المحور الأول : تمهيد ببيان أدلة حكم صناعة التماثيل وذوات الأروح .

المحور الثاني : ذكر الأخطاء في الاستدلال المذكور في السؤال على إباحة التماثيل والتصاوير في زماننا، وهذه الأخطاء إجمالا هي:
1- الخطأ بتصور أن حكم التماثيل والتصاوير مرتبط على وجه الحصر بعلة مضاهاة خلق الله أو بسد الذريعة للشرك.
2- الخطأ في تقرير زوال علة سد الذريعة للشرك.
3- الخطأ في تصور السلامة من قصد مضاهاة خلق الله لمن اشتغل بصنع التماثيل .
4- الخطأ في الاستدلال على إباحتها بالقول أنها كانت مُباحة لسيدنا سليمان عليه السلام.
5- الخطأ في قول أن المحرم لغيره لا لذاته يجوز التساهل في حكمه .

في الختام : الإشارة إلى بدعة القول بتاريخية النصوص .

 

وهذا تفصيل الجواب ..

 

——————————————-

 

? تمهيـــــــــــــد ببيان أدلة حُكم صناعة التماثيل وذوات الأرواح ?

قبل الشروع في الإجابة عن هذا السؤال ببيان أن هذا التصور الموصوف في السؤال فيه غلط من جهات متعددة، نود التقديم ببيان حكم التماثيل والتصاوير في الشريعة الإسلامية .

حكم صنع التماثيل والتصاوير لذوات الأرواح هو التحريم مطلقا ما عدا لعب الأطفال, وهذا قول جماهير العلماء قاطبة, ونقل كثير من المالكية الإجماع على ذلك. وأدلته إما بنصوص صريحة أو بوقائع تشكل مستندا وقاعدة للتحريم من باب سد الذرائع للشرك بالله:

أولا : النصوص الصريحة في تحريم صنع التماثيل والخبر بالوعيد لمن صنعها.

ورد في ذلك أحاديث كثيرة, نذكر البعض منها فيما يلي على وجه الاختصار:

▪️ هدم الرسول صلى الله عليه وسلم التماثيل التي كانت في جوف الكعبة وعلى ظهرها ومن حولها, حيث تولى صلى الله عليه وسلم تكسير بعضها وهدمها بيده الشريفة. وقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة منها ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا, فجعل يطعنها بعود في يده وهو يقول: “جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا”.

▪️ عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي رضي الله عنه: “ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته”.

▪️ حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى أنه قال: “ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي, فليخلقوا ذرة, فليخلقوا حبة, فليخلقوا شعيرة”.

▪️ ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الرجل الذي سأله عن حكم الصور التي يصنعها للتكسب بها, فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل مصور في النار, يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم”.

▪️ قوله صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله”. وفي رواية: “إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة, ويقال لهم أحيوا ما خلقتم”, فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه, فقال [ يعني : ابن عباس ] : ويحك إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح.

▪️ قوله صلى الله عليه وسلم: “إن هؤلاء كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا, وصوروا فيه تلك الصور, أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة”.

 

ثانيا : الوقائع التي تشكل قاعدة لتحريم صنع التماثيل من باب سد الذريعة للشرك بالله,

إذ لا ريب أن التماثيل والصور تعد من أعظم طرق الشرك بالله تعالى ووسائل عبادة غيره والإخلال بعقيدة التوحيد, ولذلك كان ضلال كثير من الأمم وشركهم بسبب التماثيل والصور, ومن ذلك ما يلي:

▪️ قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} إلى قوله: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين}. فتناولت الآيات كيف ضل قوم إبراهيم عليه السلام بعبادة الأصنام واتخاذها آلهة تعبد من دون الله.

▪️ وفي ضلال قوم نوح عليه السلام وشركهم بالله, ذكر المفسرون أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا – وهي الأصنام التي عبدها هؤلاء- كانوا صالحي قوم نوح عليه السلام, فلما ماتوا صوروهم صورا مجسمة ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة كاجتهاد هؤلاء, فلما مضى عليهم الزمن وطال الأمد, زين لهم الشيطان عملهم, وأوحى إليهم: أن هؤلاء أرباب فاعبدوهم, فعبدوهم.

▪️ومرورا بقصة السامري مع قوم موسى عليه السلام حينما {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي}, حتى قالوا لما راجعهم هارون عليه السلام: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى}

▪️ وانتهاء بأمة العرب من عبادتها للتماثيل والأصنام, حتى وصل بهم الجهل والضلال – بسبب التماثيل – إلى أن أدخلوها داخل الكعبة وحولها وعبدوها فيها. فإذا كانت التماثيل تؤدي إلى الشرك بالله الذي هو أعظم الذنوب, فلا بد أن يحرمها دين الإسلام.

 

***************************************

 

?بيان أن التصور الوارد في السؤال على مسألة حكم التصاوير والتماثيل فيه أخطاء من عدة جهات?

 

تأكد لدينا من الأدلة السابقة حرمة التصاوير والتماثيل، وسنعرج هنا على ما ذُكر في السؤال لنوضح الأخطاء المذكورة فيه وبيان عدم جواز الاستدلال بها لتغيير الحُكم من التحريم للإباحة .

 

1️⃣أولا: الخطأ بتصور أن حكم التماثيل والتصاوير مرتبط على وجه الحصر بعلة مضاهاة خلق الله أو بسد الذريعة للشرك:

وفيه خطآن:
(1) الخلط بين العلّة والحكمة.
(2)حصر الحكمة من تحريم التماثل على “مضاهاة خلق الله، أو سد ذريعة الشرك”

 

(1) خطأ الخلط بين العلّة والحكمة.
– فـ(العلّة) هي الوصف المؤثر في الحكم الشرعيّ، يثبت بوجودها ويُنفى بعدمها،
و(الحكمة): هي المصلحة التي من أجلها شُرع الحكم.
والخلط بينها له مفاسد كبيرة،
فمثلًا من حِكَم تحريم الزنا عدم اختلاط الأنساب، فهل لو ضُمن حفظ الأنساب بوسائل معينة سيتغيّر الحكم ويصير مُباحًا؟ بالتأكيد لا،
إذًا علّة الحُكم الشرعيّ هي فقط الوصف المؤثر فيه وخلط الأنساب مجرد حِكمة ضمن حكم متعددة لا يتأثر الحكم بغيابها.

– وإذا أردنا معرفة علّة النص الشرعيّ التي يدور الحُكم معها؛ لابد من النظر في كل النصوص الشرعيّة مجتمعة،
وبالنّظر في النصوص الواردة في تحريم التصوير والتماثيل نجد بعضها جاء مطلقًا غير مقيد بعلّة أو حِكمة،
وبعضها جاء منصوصًا فيه على ما ذُكر في السؤال, وبعضها زاد عنها بعلل أخرى.
ونجد أن العلّة السالمة من المعارضة هي  ” تصوير ذوات الأرواح ” ، إلا ما رُخص فيه بنص، كلعب الأطفال التي تُمتهن، فهذه هي العلّة التي يدور معها الحُكم الشرعيّ ولا يتعارض معها أي أحاديث أو نصوص أخرى أو قياس، وبهذا يتضح أن ما سواها = حِكم تبرز محاسن وأهمية النهي والحُكم الشرعيّ، لكن لا يتوقف الحكم عليها، وسواء أتحققت تلك الحكمة أم لم تتحقق لا يؤثر غيابها على الحُكم الشرعيّ بالتحريم.

 

(2)خطأ حصر الحِكمة من تحريم التماثل على “مضاهاة خلق الله، أو سد ذريعة الشرك”
وقد ذكر العلماء في حِكَم تحريم صنع التصاوير واتخاذها في البيوت عدة علل يبطل بها الحصر في علة “المضاهاة أو سد الذّريعة”, ومن هذه العلل ما ذكر في السؤال من إرادة مضاهاة خلق الله, وكذلك سد الذريعة للشرك بتلك التصاوير, وزيادة على ذلك ذكروا أن في ذلك تشبها بأهل الشرك الذين يعبدون أصنامهم, وتشبها بمن يصنعها مضاهاة لخلق الله, ومن العلل أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه تصاوير, فإذا غابت الملائكة حضرت الشياطين, وكذلك ذكروا ما فيها من إسراف بوضع المال فيما لا ينفع.

 

وبهذا يتبين أن للنهي عن تصوير ذوات الأرواح حكمًا متعددة، وأن التحريم لا يسقط ولا يتغير بزوال واحدة منها (على فرض أننا سلمنا بزوال الحكمة), بل يبقى حكم التحريم ثابتا،

          ———————————————————————-

2️⃣ثانيا: الخطأ في تقرير زوال علة سد الذريعة للشرك .

جاء في السؤال ادّعاء أن الشرك كان مقتصرا على زمن الجاهلية القديمة حين كان الإسلام في بداياته, وأنه ما عاد لهذا الاحتمال مكان اليوم, وهذا تصور مخالف للنصوص الشرعية وللواقع.

فأما النصوص الشرعية:
فقد وردت الأحاديث بالخبر عن ما هو كائن في أمة الإسلام وأنها ستتبع سنن من كان قبلها من اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه ومعلوم أن الشرك دخل في هذه الأمم ومن ثم سيدخل لأمة الإسلام، وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتى الأوثان”، وكذلك حديث: “لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة”  رواه البخاري، وعند مسلم: “لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى”.

فهذه أخبار تنبئ عن بقاء خطر الشرك في أمة الإسلام إلى قيام الساعة, ولا عجب في ذلك إذا ما علمنا أن عدو آدم وبنيه إبليس لعنه الله لا يفتر عن إغواء الناس وإضلالهم.

 

وأما من جهة الواقع:
فإن الشرك موجود اليوم بين فئام من المنتسبين للإسلام بصور متعددة, ونظرة سريعة إلى أحوال الخرافيين من القبوريين اليوم وغلوهم بالصالحين وما يصنعونه عند قبورهم لكافية في تقديم البرهان على أن عبادة الأصنام ليست ببعيدة عنهم إذ قد عبدوا قبرا, فضلا على ما تشهده مجتمعاتنا من الانفتاح على المجتمعات الأجنبية وثقافاتها, حتى لتجد أن من فتيات المسلمين من تقاتل في الحفلات الغنائية للفوز بعناق مطرب مشهور متبعة بذلك فعل فتيات الكفار, وحتى لتجد من أبناء المسلمين من تقلد الصليب على شعار نادي كرة القدم المفضل لديه, ولربما مثل بنفسه وقص شعره بقصات عجيبة وبألوان منكرة ولربما طبع شبه الوشم على ذراعه تبعا لنجم كرة القدم المفضل لديه, ومنهم من يسافر إلى بلاد الوثنية البوذية ليعايش طقوس “السلام الروحي”- زعموا- في دياناتهم وبعض يمارس بعد شعائرهم الدينية, فهل بعد هذا يؤمن على الناس أن تتعلق قلوبهم بالتصاوير والتماثيل لمعظميهم من أهل الفن والغناء ولاعبي كرة القدم أو من الشخصيات التي لها أثر عالمي كمخترعي الأجهزة ونحوها؟! فكل هذا هو مما يؤكد على ضرورة وأهمية سد الذرائع المؤدية للشرك كلها، وحتما أن هذا الشرك المخبر عنه بأنه سيقع في هذه الأمة سيسبقه تفريط وترك لهذه المسائل التي حمى بها النبي صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد. ولعل التشديد في هذه الأمة في كل ما يؤدي للشرك نظرا لأنها الأمة الخاتمة، لا نبي بعد الرسول ولا شريعة تمحي الباطل، فُشدد فيها في تحريم كل ما يؤدي للشرك.

———————————————-

3️⃣ ثالثا: الخطأ في تصور السلامة من قصد مضاهاة خلق الله لمن اشتغل بصنع التماثيل.

– فزماننا وما فيه من انتشار الإلحاد والنزعات الأنسوية المستغنية عن الله وغيرها يتحقق فيه التخوف من مضاهاة خلق الله أكثر من ذي قبل، فكلنا يُشاهد الطفرة الحاصلة في الذكاء الاصطناعي وصناعة الإنسان الآلي، وتصريح عدد كبير من الغربيين أنهم يسعون لخلق إنسان جديد – وكذبوا لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له – لكن القصد أن الإلحاد والمضاهاة وسوء الأدب مع الله أعظم وأكبر في زماننا، فهناك سعي وبذل جهود كبيرة لإثبات أن الإنسان قادر على مضاهاة خلق الله حتى غلا البعض بالعلم فجعلوه إلها وصار ذلك فتنة توهم عند هؤلاء الغلاة إمكان الاستغناء بالعلم عن الله سبحانه وتعالى في ربوبية هذا الكون.

فمن هنا يتأكد أن كل حِكمة ذُكرت في نصوص تحريم التصوير والتماثيل لحماية دين الناس منها فهي موجودة ومتحققة في زماننا بل بعضها على وجه أكبر، فحتى لو قلنا أن هذه هي العلّة التي يرتبط بها الحكم وجودا وعدما, فلا يشكل ذلك على بقاء الحكم على التحريم لما بيناه من أنها متحققة إما من باب الواقع أو الاحتمال قريب الوقوع سواء في زماننا أو القادم من الأزمان، رغم أن الصحيح أن العلّة هي نفس تصوير ذوات الأرواح.

————————————————

4️⃣رابعا: الخطأ في الاستدلال على إباحتها بادّعاء إباحتها لسيدنا سليمان عليه السلام .

فقد جاء في السؤال ادّعاء إباحتها لنبي الله سليمان – عليه السلام – لقوله تعالى عن الجن المسخرين له: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} ،ولكن هذا خطأ من ناحيتين :

– لا دلالة في ذلك على إباحة صنع التماثيل وذلك لأن لفظ تماثيل كما ذكره علماء التفسير يدخل فيه التماثيل لذوات الروح وغيرها, وعليه فيحتمل أن التماثيل المذكورة مما صنعه الجن لسليمان عليه السلام هي من غير ذوات الأرواح فلا يكون فيه دليل على إباحة التماثيل والتصاوير ذات الأرواح.

– وعلى القول بأنها كانت من ذوات الأرواح ففي الجواب عن ذلك مسلكان:
المسلك الأول : هو القول أن اتخاذ التماثيل كان مباحا لهم ثم جاءت شريعة الإسلام ونسخته وجعلته محرما, وشرع من قبلنا لا يكون شرعا لنا إذا ورد في شرعنا ما ينهى عنه, وقد علمنا النصوص الكثيرة في النهي عن التماثيل والتصاوير حتى نقل بعض العلماء الإجماع على تحريم ذلك, فإذا كانت التماثيل مباحة في شريعة سليمان عليه السلام، فهذا لا يمنع أن تكون مُحرمة في شريعتنا، فمعلوم أن لكل نبي شريعة، كما قال تعالى { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } ،وقد يُباح للأمم السابقة ما لا يُباح لنا والعكس, ومثل ذلك مثل السجود لغير الله للتحية الذي كان مباحا في شرع من قبلنا ثم حرمته شريعتنا ونهت عنه سواء كان السجود هو للعبادة أم للتحية ما دام أنه سجود لغير الله.

والمسلك الثاني في توجيه صنع التماثيل: أن الوارد في الآية كان مختصا بنبي الله سليمان عليه السلام وليس لقومه الذين لم يبح لهم ذلك, ومثل هذا الاختصاص ما اختص به الله نبيه عيسى عليه السلام بأنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله, وبهذا يتبين أن هذه الآية ليس فيها دليل على نقل حكم التماثيل في شريعتنا عن التحريم إلى الإباحة.

 

—————————————————

5️⃣خامسا: الخطأ في قول أن المحرم لغيره لا لذاته يجوز التساهل في حُكمه.

فالفرق بين المحرم لذاته والمحرم لغيره ليس أن المحرم لغيره سيكون حلالا يوما ما, بل المُحرم لغيره طالما ثبتت حرمته بنص شرعيّ يكون مُحرما، وفي مسألتنا هناك نص ووعيد شديد لفاعله فيظل التصوير محرما وحرمته باقية, وإنما يرجع التفريق إلى أمور مثل ما ذكره العلماء أن المُحرم لذاته لا يباح إلا في الضرورة كأكل الخنزير وليس عند مجرد الحاجة, وجميع ذلك لا يؤثر على علة الحكم وتحريمه، وقد تجد أن العلماء يقولون في أمور أنها مُحرمة لغيرها وتجد ذلك مصرحا به في كتب الفقه، ومع ذلك لا يجوز التهوين أو التفريط فيها مهما حصل، مثل مسألة الحجاب والخلوة, إذ أن هناك من أهل العلم من يقول أنها محرمة لغيرها (لكونها من باب سد الذرائع للزنا), ولكن بدون شك لا يجوز التفريط فيها, وقد يتسامح فيها الشيء اليسير عند الضرورات وبقدر الحاجة, مثل ما يباح عند زيارة الطبيب بضوابطه للكشف وغير ذلك ، فلو قدرنا أن التصوير مُحرم لغيره فهذا لا يعني بأي حال أنه سيصبح مُباحا لأوهى سبب, فالنصوص ثابتة والوعيد متحقق والعلّة تصوير ذوات الأرواح.

 

? وختــــاما  ?

 من المهم لإزالة هذا الإشكال نهائيا التطرق إلى مسألة مهمة لها علاقة بهذا السؤال, ونود التنبيه عليها لكونها من أهم القضايا التي ينشأ بسببها شبهات حول أحكام الشريعة في زماننا الحاضر, ألا وهي مسألة تاريخية النصوص، والمطالبة بتغيير الأحكام القطعية الثابتة بتغير الزمان،

– وهنا نقول أنه قد تقرر لدى أهل العلم أن الأصل في الأحكام التشريعية التي جاء بها الإسلام أنها أحكام ثابتة تصلح لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة, وهذا ناشئ عن أن الشريعة الإسلامية هي خاتمة الرسالات والشرائع, وأن الوحي قد انقطع بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو خاتم الأنبياء والمرسلين, وأن الإسلام هو الدين المرضي عند الله وشريعته هي المرضية. 

ولمزيد من التفصيل في هذا الموضوع الهام يمكن الرجوع إلى المواد التالية:

  1. الإجابة عن سؤال: كيف نفرق بين قول الفقهاء: “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان” وبين مسلك من يقول ب”تاريخية النص”؟
  2. مقطع صوتي عن “تاريخية النصوص” واستغلالها لتسويغ تعطيل الأحكام الشرعية. 

 

وبهذا يكون الجواب انتهى، ونسأل الله العظيم أن نكون قد وفقنا في بيان الحق في هذه المسألة, وأن ينفع بما قدمنا, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

المرفقات

المصدر

أضف تعليقا